بقلم د/سماح عزازي
في قلب القاهرة، حيث تتشابك الأصوات والأنفاس والزحام، وتنبض الأرصفة القديمة بحكايا ملايين الخطوات، عاد الحريق ليُطلّ برأسه من شرفات الذاكرة، مشتعلاً من جديد في سنترال رمسيس، ذلك المبنى الذي لم يكن يومًا مجرد كتل خرسانية وأسلاك ممتدة، بل كان شاهدًا صامتًا على تحوّلات الزمن، وصدى لأصوات مرت على مدار عقود من الحنين والانتظار والتواصل.
اندلع الحريق مرة أخرى، وكأن النيران تأبى إلا أن تُذكّرنا بمواضع الغفلة، وتكشف الستار عن تلك الزوايا التي يكسوها الإهمال في صمت. لم تكن السنة اللهب هذه المرة أكثر ضراوة من المرة السابقة، لكنها كانت أكثر وجعًا؛ لأن تكرار الكارثة لا يُولد سوى الأسى، ويطرح أسئلة موجعة لا تقبل الصمت ولا تؤمن بالصدفة.
في اللحظة التي اشتعلت فيها ألسنة النار داخل المبنى، لم يكن المشهد مجرد ومضة مأساوية عابرة، بل تذكيرٌ قاسٍ بحجم التحديات التي تواجه البُنى التحتية في منشآتنا الحيوية. فالأمر لا يقتصر على الحريق الظاهر، بل يمتد إلى ما هو أعمق، إلى البُنى المعقّدة التي طالها الزمن، وإلى ضرورة التحديث الشامل بما يليق بمكانة هذه المنشآت في منظومة الاتصال الوطني.
قراءة فنية لماذا اشتعل الحريق مرة أخرى؟
وسط دهشة الشارع، وتداول الأسئلة القلقة، جاء الحريق الثاني في سنترال رمسيس ليفتح بابًا جديدًا من التساؤلات: كيف يشتعل المكان ذاته بعد يومين فقط من كارثة كادت أن تلتهم قلب المنظومة الاتصالية للبلاد؟ وهل هي صدفة عابرة، أم أن خلف ألسنة اللهب ما هو أعمق من الظاهر؟
الحقيقة أن ما حدث لا يُعدّ غريبًا في السياق الفني، ولا مفاجئًا للخبراء في مجال الشبكات ومراكز البيانات، وإدارة المنشآت التقنية الكبرى. فالحريق، حين يكون بهذا الحجم، لا ينتهي بإخماد لهيبه، بل يخلّف وراءه بؤرًا خفية من التوهّج الداخلي، تُعرف تقنيًا بـ"النقاط الساخنة"، وهي مواضع داخل الجدران أو الأسلاك أو الأجهزة تستبقي حرارتها العالية حتى بعد أن تخبو النار في ظاهرها.
هذه البؤر، مع إعادة ضخ الكهرباء في أجزاء من النظام، قد تُعيد إشعال التوهّج الكامن، خاصة إذا تسرّبت الرطوبة أو بقيت رواسب الحريق، كالكربون والدخان، عالقة على مكوّنات حساسة داخل النظام الكهربائي. تلك الرواسب، وإن كانت دقيقة، فإنها تصبح موصلًا جزئيًا للتيار، وقد تؤدي إلى تماس كهربائي مفاجئ يشعل شرارة جديدة، ومن ثمَّ حريقًا جديدًا.
كما أن استخدام كميات كبيرة من المياه أثناء الإطفاء، قد يتسبب في تسربها إلى داخل حوامل الأجهزة أو أسفل الأرضيات التقنية، حيث قد تظل مختبئة بعيدًا عن الأنظار، وتتحوّل مع الحرارة أو عند إعادة التيار إلى مصدر تماس كهربائي خفي، لا يُكتشف إلا بعد اشتعاله.
ومن الأخطار غير المرئية كذلك، التشققات الدقيقة التي تُصاب بها الكابلات والمكوّنات بفعل الحرارة العالية، فتضعف بنيتها من الداخل دون أن يظهر ذلك جليًا في الفحص البصري. ومع أول مرور تيار كهربائي عالي، تبدأ هذه النقاط في التسخين من جديد، حتى تصل إلى لحظة الاشتعال.
والحقيقة أن منشأة مثل سنترال رمسيس، بما تحتويه من كميات هائلة من كابلات النحاس، والألياف البصرية، ووحدات التغذية عالية الحساسية، تحتاج إلى وقت طويل وجهود دقيقة لضمان السلامة التامة بعد حريق بهذا الحجم. إذ لا تقتصر أعمال الصيانة على استبدال ما احترق، بل تمتد إلى فحص كل مكوّن متبقٍ، ومراقبة احتمالات التكرار، ومعالجة أي نقطة ضعف قد تشكّل خطرًا عند إعادة التشغيل.
ولهذا جاء تصريح الوزير منطقيًا حين أشار إلى أن أعمال الصيانة قد تمتد لأكثر من أسبوع؛ فالمسألة ليست فقط إصلاحًا تقنيًا، بل تأمينًا شاملًا لسلامة بنيان اتصالي بالغ الحيوية.
أما الحريق الثاني، فيمكن تفسيره منطقيًا بأنه ناتج عن محاولة إعادة تشغيل تجريبية لبعض الأجهزة، ما أدّى إلى تفعيل شرارة في نقطة متأثرة بالحريق الأول لم تُكتشف بعد. ورغم محدوديته مقارنة بالأول، إلا أنه مؤشر بالغ الأهمية على حجم الضرر المتراكم، وعلى دقّة المرحلة المقبلة في خطة الإنقاذ والصيانة.
والدرس الجوهري هنا أن التعامل مع الكوارث في منشآت الاتصالات لا يقتصر على إخماد اللهب، بل يتطلّب منظومة متكاملة من الفحص الوقائي، والمعالجة الجذرية، والتأمين المستقبلي. فكل شرارة تُهمل، قد تعود لتشتعل من جديد، لا في الأجهزة فقط... بل في ثقة المدينة، وسلامة أهلها، ونبض حاضرها.
لقد آن الأوان أن نُعيد النظر في مفهوم "السلامة" ليس فقط من حيث اللوائح واللافتات، بل من حيث الروح التي تُدير المرافق، والعين التي تسهر، والعقل الذي يُفكر قبل أن تقع الفواجع. آن الأوان أن نُنصت لصوت الأبنية المتهالكة، والمعدات التي شاخت، والشبكات التي تُصارع الزمن في غفلة منّا.
سنترال رمسيس ليس حالة فردية، بل رمز لحالة ممتدة في كثير من المنشآت الحيوية التي تعيش على هامش الاهتمام، وتعمل في صمت رغم ما تحمله من أعباء الوطن. فهل ننتظر الحريق الثالث كي نتحرك؟ وهل نواصل الكتابة في جمر الأوجاع ذاتها؟
في الختام، لا بد أن نتعلم كيف نقرأ الحرائق لا بوصفها مجرد "أحداث طارئة"، بل كبوصلة تشير إلى مواضع العطب في أجساد المدن. النار ليست دائمًا لعنة، أحيانًا تكون منبّهًا صارخًا لمن يريد أن يُبصر. فإما أن نأخذ التحذير على محمل الجد، ونبني سُبل الوقاية قبل أن تُبنى مآتم الأسف، أو نبقى نُطالع اللهب وهو يلتهم ذاكرة القاهرة حجراً بعد حجر، وسطرًا بعد سطر من حكاياتها.
ولتكن هذه المرة الأخيرة التي نكتب فيها عن احتراق السنترال... لا لأنه لم يحترق، بل لأنه أُطفئ قبل أن يشتعل.
التعليقات الأخيرة