بقلم د/ سماح عزازي
"في المدن المزدحمة، تختبئ الحكايات في أماكن لا تخطر على بال أحد... أحيانًا داخل ورقة قديمة، أو معطفٍ مُهمل، أو... في زوج حذاء صغير، لا يتّسع إلا لقدَمٍ واحدة وذاكرةٍ لا تُقاس بالمقاسات.
القلوب الموجوعة لا تصرخ، بل تهمس… وأوجع الحكايات لا تُحكى، بل تُشمّ رائحتها.
وفي زوايا العُمر، يقف بائعُ أحذيةٍ عجوز، يظنّ أنه اعتاد الرحيل والوجع، حتى عثر — في صندوق تبرعات باهت — على حذاء أحمر صغير، كان كافيًا ليوقظ من داخله طفلةً نائمة، وندبةً لم تُشفَ، ودهشةً تليق بالحنين."
في المساء، وبينما كانت الشمس تنسحب ببطء من فوق الأرصفة، كان "عمّ حسن" يُغلق متجره الصغير للأحذية في زقاق ضيق لا يمر فيه كثير من الناس.
ورغم بساطة المحل، كان يرتّب البضاعة بدقة، كأنها تحفٌ نادرة، يربّت على كل حذاء، يلمّع الآخر، ويعيد ربط رباط ثالث، كما لو أنه يُعدُّ أبناءه للنوم.
كان بائعًا بسيطًا، لكنّ قلبه ممتلئ بالقصص، يعرف الحكايات من رائحة الجلد، ومن بصمة القدم على النعل، ومن أثر الحياة العالقة بين الخيوط.
وفي تلك الليلة…
كان يُفرغ صندوق التبرعات المعتاد الذي يضعه عند الباب، والذي كتب عليه بخط يده المرتجف:
"ضع حذاءك القديم… يُدفئ قدمًا غريبة."
فتح الصندوق ككل مرة…
لكنه هذه المرة وجد شيئًا غريبًا.
حذاء صغير جدًا.
أصغر مما يُفترض أن يلبسه طفل.
لون أحمر قرمزي، زاهٍ على نحو يوجع القلب.
جديدٌ تمامًا، لم يُستخدم قط…
لكن ما أن حمله، حتى التفت قلبه على نفسه.
شمّ رائحة ما…
ليست رائحة جلدٍ جديد، بل رائحة قديمة… مألوفة…
رائحة ذكرى.
في ركنٍ ما من قلبه، لم يكن "عمّ حسن" مجرد بائع أحذية،
بل كان خزانة أسرار الزمن، رجلًا صنعته الخسارات أكثر مما صنعه الرزق.
كان كل حذاء يُباع يحمل في عينيه حكاية… طفل يركض إلى أمه، أمّ تشتري لأول مرة، عروس تختار ما يناسب فستانها الأبيض…
لكن ذلك الحذاء الأحمر الصغير…
كان شيئًا آخر تمامًا.
لم يكن زبونًا، ولا قصة مرّت، بل ندبة قديمة انفتحت فجأة، برائحة لم تُنس، وبحجمٍ لا يكبر.
جلس على كرسيه الخشبي المتقشر، وضع الحذاء بين راحتيه كأنه طفل نائم،
ونظر إليه طويلًا… حتى اختفت الجدران، وتلاشت ضوضاء السوق،
ووجد نفسه هناك… في ذلك الصباح من سنين مضت،
يركع أمام "رُقيّة" الصغيرة، يربط لها الحذاء الأحمر وهو يقول ممازحًا:
"شدي حيلك عشان أميرات الحواديت دايمًا بيتعبوا في المشي."
فتضحك وتقول:
"وأنت فارسهم… صح؟"
يومها لم يكن يعرف أن الفارس سيفقد أميرته قبل أن يشتدّ ساعده، وأن الحذاء الذي اشتراه بدفء الحب… سيعود إليه بعد عمرٍ من الوجع، صامتًا كالقبر، نابضًا كجرحٍ لا يندمل.
رعشة خفيفة اجتاحت يديه.
كأن الحذاء ليس مجرد شيء، بل رسالة من مكان بعيد.
جلس على المقعد الخشبي المهترئ خلف الطاولة، ووضع الحذاء أمامه…
وظل ينظر إليه كما لو أنه يعيد ترتيب ملامح وجهٍ قديم.
لم يكن يعرف من وضعه.
لكنه كان يعرف هذا الحذاء.
يعرف لونه، ملمسه، الخيط النافر على الحافة، النقشة الصغيرة على الجانب الأيسر.
لقد كان هذا الحذاء نسخةً طبق الأصل…
من حذاءٍ اشتراه قبل سنوات طويلة… لطفلته.
نعم… كان له ابنة.
اسمها "رُقيّة".
كانت طفلة رقيقة، بعينين واسعتين، وشَعْرٍ كخيوط الليل،
وكانت تحب الأحذية كثيرًا…
وحين رآها ذات يوم تتأمّل حذاءً أحمر في واجهة أحد المحال، ادّخر من قوته يومًا بعد يوم، حتى اشتراه لها.
كان صغيرًا، لكنه بدا كأن الدنيا كلها صغُرت لتُناسب قدمها.
لكن رقيّة… لم تلبسه طويلًا.
بعد أسبوعين فقط، اشتدَّ عليها المرض.
واختُصرت حياتها في سبعة أعوام، نصفها في غرف المستشفيات، والنصف الآخر في دعواتٍ لم تُستجب.
حين رحلت، بقي الحذاء على الرف.
وحين دفنوها، لم يملك قلبه أن يُدفن الحذاء معها.
ظل محتفظًا به… كشاهد صغير على حياةٍ لم تكتمل.
لم يكن الحذاء مجرد قطعة جلد مصبوغة بلونٍ بهيج…
كان صندوقًا صغيرًا للذاكرة، يفتح بمجرد لمسه، فينهمر منه الزمن، بكل تفاصيله:
ضحكتها التي كانت تسبق خطواتها، طريقتها الطفولية في تثبيت الحذاء على قدميها، وعبارتها التي لم تُفارق سمعه يومًا:
"بابا… أنا دلوقتي أميرة، صح؟"
وكان يضحك، ويهزّ رأسه، ويقول:
"أنتِ أجمل من كل الأميرات."
كان ذلك الحذاء بمثابة التاج، والعرش، والمملكة…
كلها مرسومة على قدمي طفلة، ظنّت أن الدنيا تكفيها حين يكون الحذاء أحمرًا، ويكون والدها بجانبها.
لكنها رحلت سريعًا… قبل أن تكبر قدماها، وقبل أن يبهت اللون، وقبل أن تنسى الأحذية ضحكتها.
وظلّ هو… يتنفس وجودها من أثرٍ صغير، يوقظه بعد سنوات، كما توقظ الموسيقى روحًا كانت تغفو داخل صدرٍ تعب.
في ذلك المساء البعيد، جلس "عمّ حسن" طويلًا في الظل، يمسك بالحذاء كمن يمسك بطفولته، بضعفه، بعمرٍ كامل اختُصر في لحظة وداع.
لم يكن يدري:
هل جاء الحذاء ليختبر ذاكرته؟
أم ليمنح قلبه عذرًا للبكاء؟
أم ليدلّه أن الحب، حتى إن خسرناه، لا ينطفئ، بل يتربص بنا في صناديق منسية، أو روائح مألوفة، أو جلد أحمر صغير.
أغمض عينيه، وسمع الخطى…
خطى "رقيّة" تركض نحوه، كما كانت تفعل، تمدّ يديها نحوه، وتقول:
"أنا جيت… تعبت من الغياب."
فتح عينيه… لم يجد أحدًا.
لكن الحذاء كان ما يزال هناك، دافئًا، نابضًا، كأن قلبًا صغيرًا لا يزال يخفق فيه.
نظر إليه… وقال:
"أعرف يا صغيرتي… أن الأشياء التي نحبها لا ترحل، بل تتحوّل.
ربما إلى أغنية… أو حذاء… أو وجع لا يفهمه أحد."
ومع مرور السنين، ظنّ أنه تخلّص من كل شيء.
أحرق رسوماتها، ودفن ألعابها في صندوق قديم، وحتى الحذاء…
قالوا له: "أعطه لطفلٍ آخر"،
لكنه لم يستطع.
لكن ما بال هذا الحذاء الآن؟
كأنه عاد من تلقاء نفسه، يشبه حذاءها حتى في الطريقة التي خيط بها الاسم على الداخل: "رُقيّة".
تحسّس الحروف بإصبعه المرتجف.
كأن الاسم مكتوب على جلده، لا على الحذاء.
لحظة واحدة…
كل شيء تغيّر.
كأن الباب انفتح على غرفةٍ لم يفتحها منذ أعوام.
رآها وهي تركض بالحذاء الأحمر…
تضحك، تتعثّر، ثم تنهض وتقول:
"بابا… مش دا اللي كنت عاوزهولي؟"
نعم… هو ذاته.
هو الحذاء، وهي الضحكة، وهو الحنين الذي دفنه في قلبه كما يُدفن الجمر تحت الرماد.
رفع الحذاء، قبّله، ثم ضمّه إلى صدره كأنها هي…
كأنها لم تمت، فقط تأخرت قليلاً في العودة.
الدموع نزلت ببطء، بلا نحيب…
دموع رجلٍ ظنّ أنه نسي، حتى أتاه الشيء الوحيد القادر على إيقاظ موته.
هل وضعه أحد هناك بالصدفة؟
أم أن الله أراد له أن يتذكّر؟
أن يعود إلى الحزن، لا ليبكي، بل ليحيا؟
أن يتعلّم أن بعض الذكريات… لا يُمكن حرقها، لأنها تُولد من جديد، على هيئة حذاءٍ أحمر في صندوق تبرعات.
في اليوم التالي، لم يفتح المحل كعادته.
بل جلس على المقعد، ووضع الحذاء الأحمر في زاوية نافذة العرض…
كتب بجانبه:
"إلى كل من فقد شيئًا صغيرًا… سيظل له مكان هنا."
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الناس يأتون فقط لشراء الأحذية.
بل صاروا يأتون… ليحكوا قصصهم.
عن أحذية رقصت في عرسٍ ولم ترقص بعده.
عن أحذية صغيرة توقفت عن النمو.
عن أقدامٍ رحلت… لكن رائحتها باقية في الذكرى.
وصار الحذاء الأحمر… هو الحارس.
لا لأقدام الأطفال فقط، بل لقلوب الكبار الذين لا يعرفون أين يضعون ذكرياتهم، في هذا العالم الذي يركض دون أن يسألهم:
"هل بقي شيءٌ منك هناك؟
على رفّ قديم؟
في علبة موسيقى؟
أو ربما… في حذاءٍ أحمر صغير؟"
في تلك الليلة، حين أغلق دكانه بعد زمن طويل، لم يحمل الحذاء إلى الداخل كما يفعل مع بقية البضائع،
بل وضعه برفق فوق كرسي صغير أمام الباب، كمن يعيد طفلًا إلى عتبته الأولى.
جلس بجواره، وأشعل مصباحًا خافتًا…
وأطلق للذاكرة يدها.
راح يحدّث الحذاء كما يُحدّث الابنة التي لم تكبر:
"كبرتِ في قلبي، مش في سنك…
غبتِ عن عيني، بس عمرك ما غبتي عني."
ثم أخذ نفسًا طويلًا، كأن صدره خزانة مغلقة فُتحت بعد سنين،
وتابع:
"تدرين؟ حتى بعد رحيلك… كنت أشتري كل سنة حذاء أحمر صغير، وأخفيه.
مو عشان ألبسه لأحد…
بس عشان أقول للزمن: لسه فيه شي بيتذكّرك."
في تلك اللحظة، هبّت نسمة ليلٍ رقيقة،
وحركت طرف شريط الحذاء… كأنه يلوّح له، كأنها تقول له من عالمٍ آخر:
"أنا كمان لسه فاكرة…
وما زلت أحبك، حتى من بعيد."
**"ترك الحذاء في العلبة، لكنه لم يتركه داخله...
خرج إلى الشرفة، نظر إلى السماء التي بدأت تمطر بخفة، وهمس:
(كأنكِ مررتِ من هنا… على هيئة ريح… أو ظلّ… أو قطرة ماء.
كأنكِ أردتِ أن تطمئنيني… أن الذكرى لم تذهب هباءً.)
لم يكن يبكي، لكن عينيه كانتا تقولان أكثر من كل بكاء.
ولأول مرة منذ سنين، أحسّ أن الزمن لا يمضي عبثًا… بل يحتفظ لنفسه بخزائن من الدفء، لا تُفتح إلا فجأة، بحذاء، أو رائحة، أو أغنيةٍ سقطت من راديو قديم.
ولأن بعض الحب لا يموت، بل يتنكر في أشياء بسيطة…
جلس على الكرسي الخشبي، وأعاد الحذاء الأحمر إلى صدره…
كأن صدره هو الصندوق… وكأن قلبه هو الذاكرة.
التعليقات الأخيرة