بقلم د/ سماح عزازي
في هذا العالم السريع، لا ينتبه أحدٌ إلى المقاعد الخشبية في الحدائق.
تبدو مملة، متشابهة، متآكلة الأطراف… لا تروي شيئًا، ولا تشكو.
لكن الحقيقة أن بعضها يحتفظ بقلوبٍ كاملة… جلس أصحابها يومًا،
ثم غابوا، لكنهم تركوا خلفهم شيئًا لا يُرى… ولا يزول.
هذه قصة عن الوفاء الصامت…
عن رجل لم ينسَ، ولم يتأخر، ولم يغِب عن موعده أبدًا…
حتى وإن غابت من كانت تجلس بجانبه.
قصة عن الحب الذي لا يحتاج لأصوات عالية، ولا لصورٍ تُنشر،
بل يحتاج فقط إلى قلب… ومقعدٍ يحتمل الذكرى.
هنا تبدأ الحكاية…
حيث لا أحد يلتفت،
لكن القلب — وحده — يراها ويشعر بها.
الوحدة، والتقدّم في العمر، والانتظار الصامت لأشياء لم يعد أحد يتذكّرها… لكنها ما زالت تحيا داخل القلب.
عن الذين يجلسون وحدهم، ولا يكونون وحدهم… بل بصحبة من رحلوا.
في الحديقة العامة، كان هناك مقعدٌ خشبي، يبدو عاديًا كغيره… لكنني كنت أمرّ بجانبه كل صباح، وأراه مشغولًا دومًا برجلٍ مُسنّ، يضع قبّعة من القش على رأسه، ويحمل عصا، ويجلس بهدوء تام، لا يقرأ، لا يتكلّم، فقط ينظر للأمام.
الناس تمشي، تمرّ بجانبه، يرمقونه بابتسامة أو بفضول… لكنه لا يردّ. يجلس كأن الزمن توقّف عنده… أو كأنه ينتظر شيئًا لا يعرفه إلا هو.
في البداية ظننت أنه ينتظر شخصًا ما…
ثم ظننت أنه يستمتع بالهواء فقط…
لكن شيئًا في ملامحه، في صمته، كان يصرخ دون صوت:
"أنا لست هنا وحدي… هناك مَن معي، ولو لم تروه."
في أحد الأيام، حملتُ فضولي وجلستُ على المقعد المجاور له.
صمت طويل مرّ بيننا… ثم قال فجأة:
"هذا المقعد… لنا. لي ولها."
سألته بلطف: "هي من؟"
ابتسم… ابتسامة مكسورة، لا تشبه شيئًا إلا الحنين،
وقال:
— "زوجتي… كانت تجلس هنا بجانبي كل صباح. نتحدّث قليلًا، نصمت كثيرًا، لكننا كنّا نُحب هذا الصباح… وهذا المقعد."
قلت: "وأين هي الآن؟"
نظر إلى البعيد، كأن الجواب لا يوجد هنا، ثم قال:
"رحلت. منذ سبع سنوات.
لكنني أجيء كل يوم… لأجلس معها.
أعرف أنها لم تعد هنا… لكن المقعد ما زال دافئًا بذكراها."
سكتّ… لم أجد ما يُقال.
كان كلامه أكبر من أن يُعلّق عليه،
وأصدق من أن يُجاوَب بشيء.
ثم تابع بصوت منخفض:
"كل الناس تظنني مجنونًا… لكن لا أحد يفهم.
الوفاء ليس أن تبكي مرة،
بل أن تتذكّر دائمًا…
أن الحب لا ينتهي برحيل صاحبه.
بل يظل حيًّا… في مكانٍ ما،
على مقعدٍ قديم،
في حديقةٍ لا يسألها أحد،
لكنها تحفظ كل الأسرار."
مرّت أيام كثيرة بعدها…
وكنت أراه في نفس المكان، بنفس الثياب، بنفس النظرة،
يجلس، يبتسم أحيانًا، يضع يده على الطرف الفارغ من المقعد…
كأن يدًا ما كانت تمسك بيده دون أن نراها.
وفي يومٍ ما…
مررت ولم أجده.
ثم مررت اليوم الذي بعده… ولم أجده أيضًا.
سألت الحارس، فقال لي بصوت منخفض:
"توفي قبل أسبوع… في نومه. بهدوء.
لكن الغريب… أنه أوصى أن يُكتب على المقعد:
(كان لنا… وسيظل لنا)."
اليوم، حين أمرّ من هناك، أُبطئ خُطاي.
أنظر إلى المقعد، فأشعر أنه ليس فارغًا…
بل لا يزال يحتفظ بظلّه، وابتسامته، وحنينه،
وصوت لم يُسمع… لكنه قيل في القلب:
"الحب الحقيقي لا يموت،
هو فقط… يغيّر المقعد الذي يجلس عليه."
لم يكن يجلس على المقعد ليملأ فراغ يومه…
بل كان يجلس ليملأ فراغ قلبه.
كانت الدقائق التي يقضيها هناك، تشبه الصلاة…
لا ضجيج فيها، لا كلمات، فقط سكون ممتد بين السماء والأرض،
كأنه في كل صباح، يوقظ ذاكرته، ويقول لها:
"هيا بنا… نذهب إلى حيث لم تذهب هي، لكنها بقيت."
لم تكن الحديقة مكانًا عابرًا بالنسبة له…
كانت مسرحًا للحنين،
لكل ضحكة قالاها معًا، لكل لحظة صمتٍ جمعتهما، لكل صباحٍ مرّ دون أن يكلّما أحدًا… واكتفيا بالنظر.
وكان هذا المقعد… هو الحارس الأخير لكل ذلك.
لم ينسَ كيف كانت تضع يدها فوق يده، كيف كانت تميل عليه حين يتعب،
كيف كان يخبرها بكل شيء دون أن يتكلّم.
وفي وحدته الطويلة، لم يشعر بأنه يجلس وحيدًا،
بل كان يشعر أن الهواء يحمل ملامحها،
أن الضوء يمرُّ من بين أوراق الشجر ليقع فوق مكانها بالضبط،
كأن الكون كله يساعده… كي لا ينسى.
كان الوفاء عنده صامتًا، ناعمًا، عميقًا، لا يعلنه… بل يعيشه.
يُمارسه كما يُمارَس التنفّس،
لا يُحدّث عنه أحدًا،
لكنه لا يستطيع أن يتخلّى عنه، لأن فيه شيئًا من الحياة… ومنها.
وإن سألوه يومًا:
"لماذا تأتي كل صباح؟"
لابتسم وقال:
"لأتذكّر… أننا كنّا هنا، وأنني ما زلت أحبها… حتى ولو لم ترَني."
ذات صباح رمادي، جلستُ على نفس المقعد، للمرة الأولى وحدي.
شعرت بشيء لا يُرى… كأن هناك دفئًا خفيًّا على الجهة الأخرى من المقعد،
رائحة خفيفة تشبه الحنين… ونسمة ناعمة عبرت وجهي كأنها لمسة وداع.
مددتُ يدي تلقائيًا نحو الفراغ الذي كان يضع فيه يده، ولمستُ الخشب البارد… لكنه لم يكن باردًا تمامًا.
كان يحتفظ ببقايا دفءٍ… لا يُفسَّر، لا يُقاس، لكنه يُشعر.
أغمضتُ عيني، وتخيّلته هناك…
بقُبعته، وعصاه، وصمته الملآن بكلمات لم تُقال.
كان يبتسم… لكن ابتسامته هذه المرة، لم تكن مكسورة. كانت مطمئنّة… كمن انتظر طويلاً، ثم عاد، أخيرًا، إلى من انتظرته.
كان الغياب طويلًا… لكنه لم يُهزمه.
كان الحب أطول… وكان أقوى من الموت.
في تلك اللحظة، أدركتُ شيئًا لم أفهمه من قبل: أن الوفاء الحقيقي لا يحتاج حضورًا جسديًّا،
بل يكفيه أن نُحبّ… ونبقى على هذا الحب، حتى وإن تفتّت الزمن حولنا.
منذ رحيله، صار المقعد لا يُشبه سائر المقاعد.
كأن بين أخشابه قصة تُروى بصمت، لا تحتاج راويًا، ولا شهودًا.
كل من يمرّ من هناك، يُبطئ خُطاه، يتأمل لحظة، ثم يمضي… لكن شيئًا منه يبقى عالقًا.
كان بعض العشّاق يلتقطون صورهم بجانبه،
ولا يعرفون أن المكان يحمل قصة حبٍّ حقيقية،
حبٍّ لم يكن بحاجة لهاتف، أو زهور، أو وعد…
بل كان بحاجة فقط… لمقعدٍ واحد، وذاكرة لا تخون.
ربما لم يكن يملك كلمات كبيرة، ولا خطابات طويلة،
لكنه كان يملك قلبًا يعرف كيف ينتظر،
كيف يُخلِص، كيف يزور الذكرى كل صباح وكأنها صلاة لا تسقط عن كاهله.
والمقعد… ما زال هناك.
لا أحد يجلس عليه كثيرًا، كأن الجميع يحترم حضوره الصامت.
وكأن الحب حين يكون صادقًا، يترك أثرًا لا يُمحى… حتى بعد الرحيل.
في نهاية الأمر، لم يكن العجوز ينتظر أحدًا…
كان ينتظر فقط أن تكتمل حكايته، حيث بدأت:
على مقعد خشبي، في صباحٍ بسيط، تحت شجرة لا تُخبر أحدًا،
لكنها تحفظ كل ما قيل، وكل ما سُكِت عنه.
التعليقات الأخيرة