add image adstop
News photo

"رسائل لم تصل… وقلوب لم تنسَ" مجموعة قصصية إنسانية من زمن لا يُكتب فيه الحب، بل يُشعر القصة الحادية عشر ساعة الحائط… لم تعد تدق

 

 

بقلم د/ سماح عزازي

 

حين يتوقف الوقت… ليس لأن العقارب تعطّلت، بل لأن من نحبهم رحلوا، وبقى الزمن عالقًا عند لحظة الغياب.

 

ما أغرب الزمن…

نظن أنه يمضي، ونركض خلفه، نحسبه بالدقائق والساعات، بالسنوات والأعمار…

لكننا لا ندرك الحقيقة المؤلمة إلا حين يتوقف فجأة… ليس لأن عقارب الساعة تعطّلت، بل لأن من كنا نحسب الوقت بوجودهم… غابوا.

 

في ذلك البيت، كانت ساعة الحائط أكثر من مجرد آلة تخبرنا بالوقت… كانت نبضًا معلّقًا على الجدار،

كانت شاهدة على ضحكات المساء، وهمسات الصباح، وأحاديث امتدت حتى منتصف الليل، وعلى أصوات الأقدام التي تدخل وتخرج، وعلى باب يُفتح فيطمئن القلب، أو يُغلق فيشتعل القلق.

 

لكنها — في يومٍ ما — توقفت.

ليس لأن البطارية نفدت، ولا لأن الزمن تعب،

بل لأنها لم تجد بعده سببًا لتدقّ.

 

كأنها فهمت قبلي أن هناك غيابًا… لا يملؤه شيء.

أن هناك لحظة، حين تأتي، يتوقف عندها العمر كله… وتتحول الحياة بعدها إلى صدى، إلى فراغ، إلى زمنٍ مكسور،

مُعلّق على عقربين لم يعودا يعرفان إلى أين يجب أن يتجهّا.

 

لم يكن صوتها مجرد "تيك… تاك"،

بل كان موسيقى يومية، تشهد على الحياة وهي تمضي… على الضحكات، على الأحاديث، على انتظار أحدهم ليعود، أو شوقٍ لمن مضى.

 

كانت ساعة حائط عتيقة،

مُعلقة هناك… في منتصف الجدار، كأنها قلب البيت الذي ينبض.

يبدأ صوتها مع أول ضوء للفجر، وتنام مع آخر همسة لليل.

 

لكن في ذلك اليوم… سكتت.

توقفت عقاربها فجأة، عند لحظة واحدة فقط.

تلك اللحظة التي أُغلق فيها الباب للمرة الأخيرة،

ورحل صاحب الصوت… الذي كانت تنتظره كل مساء ليعود، ينظر إليها، يصحّح وقتها إذا تقدّمت أو تأخرت،

كأنها كانت تحتاج نظرته… كي تستمر في الدوران.

 

منذ ذلك اليوم… لم تدقّ.

جربنا تغيير البطاريات… لا جدوى.

جربنا إصلاحها… لا فائدة.

جربنا تحريك العقارب… فتعود، وحدها، إلى اللحظة نفسها… نفس الدقيقة، نفس الثانية،

كأن الزمن بالنسبة لها… توقف هناك، عند لحظة الغياب.

 

الغريب أننا لم نحاول رميها، لم نفكر يومًا أن ننزعها من مكانها.

صارت جزءًا من الحكاية…

شاهدًا صامتًا على أن الوقت لا يمضي أحيانًا… بل يقف احترامًا لفقدٍ أكبر من أن يُقاس بالدقائق والساعات.

 

كلما مررنا بها، رمقناها بنظرة حزينة،

كأننا نسألها:

 

 "أما زلتِ تنتظرين؟"

فتجيب، بصمتها العميق:

"نعم… ما زلتُ أنتظر.

ما زلتُ عالقة هناك… في تلك الدقيقة، التي أخذت معه كل شيء، ولم تُعده أبدًا."

 

 لم تكن مجرد ساعة…

بل كانت شاهدة على أعمارٍ كاملة،

على ضحكات صباحية، وأحاديث مسائية، وخطوات تُسمع في الممر، وأبواب تُفتح وتُغلق، وأيدٍ تعبث بعقاربها حين تتقدّم أو تتأخر،

كأنها لا تعرف كيف تضبط الوقت وحدها دونهم.

 

لكنها اليوم… صامتة.

معلّقة على الجدار كجنازة مفتوحة للزمن.

عقاربها متوقفة عند تلك الدقيقة بالذات…

حين أغلق الباب للمرة الأخيرة، وحين غادر القلب الذي كان يُنعشها بنظراته، وابتسامته، وصوته الذي كان يقول كل مساء:

 

 "تقدّمت دقيقة… سأعيدك لمكانك."

 

يا لسخرية القدر…

حتى الساعة رفضت أن تعترف بأنه غاب.

ظلت تنتظر… أن يعود، أن يصحّحها، أن يربّت عليها كما يربّت على قلبه المتعب.

 

كلما نظرت إليها، شعرت أن الزمن كله تحوّل إلى شيء جامد… ثقيل… قاسٍ…

كأن الوقت بعد رحيله لم يعد زمنًا…

بل صار فراغًا متكرّرًا،

يوزّع نفسه علينا صباحًا ومساءً،

لكن دون معنى… دون حياة… دون صوت.

 

كان الجدار صامتًا… والبيت صامتًا… والساعة أكثرهم صمتًا،

لكنها — في صمتها — تصرخ…

تصرخ بوجع لا يسمعه أحد، إلا من فقد،

ومن جرّب أن يقف الزمن… على جدار قلبه، لا على جدار البيت فقط. 

 

 كانت تدقّ كأنها قلب إضافي لهذا البيت…

تيك… تاك… تيك… تاك…

صوتها لم يكن ضجيجًا… بل كان حياة، كان يملأ الفراغ، يسرق شيئًا من صمت الجدران، وينثره نبضًا في الأركان.

 

لكن بعد رحيل أبي ، توقف كل شيء… حتى الزمن نفسه انحنى أمام الغياب.

كأن عقاربها لم تجد مبررًا لتكمل طريقها،

وكأنها — مثلنا — أدركت أن الوقت دون من نحب… مجرد مساحة فارغة، لا وزن لها، لا معنى لها.

 

كم مرّة وقفت أمامها، أحدّق في عقاربها المتوقفة عند نفس الدقيقة، وأتساءل:

هل تعرف الساعة معنى الانتظار؟

هل تفهم كيف يتحول مرور الوقت إلى عذاب… حين لا يعود من كنا ننتظره؟

 

كنت أمدّ يدي إليها… أحاول دفع عقاربها للأمام،

لكنها عنيدة… تعود دائمًا إلى حيث توقفت،

كأنها تقول لي، بصوتها الذي لم يعد مسموعًا:

 

 "ليس بيدي… أنا لا أدقّ لأخبرك بالوقت،

أنا أدقّ فقط… حين يكون القلب الذي يُنصت لي… هنا."

 

فهمت وقتها أن بعض الأشياء تتوقف ليس لأنها تعطّلت،

بل لأن قلوبها تعطّلت… برحيل من كانت تدقّ لأجلهم. 

 

بقيت معلّقة على الجدار، لا تدق، لا تشير للوقت، لا تعترف بالسنين التي مرّت بعدها…

لكنها كانت تقول شيئًا لا يسمعه إلا من جرّب الفقد:

أن الزمن لا يشفي كل شيء،

وأن هناك لحظات، حين نفقد فيها من نحب، لا تعود جزءًا من الماضي،

بل تصبح… حاضرًا دائمًا، لا يمضي، لا يتغيّر،

ساعة متوقفة في قلب الجدار… وفي قلبك أيضًا.

 

ما زالت الساعة هناك… على نفس الجدار،

لم يتحرّك عقرب منها، لم تتقدّم ثانية واحدة عن تلك الدقيقة المشؤومة…

كأنها اختارت أن تظل شاهدة على الرحيل،

أن تبقى معلّقة عند لحظة الفقد… لا قبلها ولا بعدها.

 

أحيانًا، كنت أمرّ في المساء أمام الجدار، أتوقف لثوانٍ… أنظر إلى الساعة المتوقفة، كأنني أنتظر منها معجزة.

أتخيّل، ولو للحظة، أن عقاربها ستتحرك، أن الزمن سيفتح فمه المتجمد ويبتلع هذه السنين الثقيلة،

أن الدقيقة التي توقفت فيها منذ زمن… ستنفرج، وتتحول إلى نبضٍ جديد.

 

لكنها لم تفعل.

كل مساء كانت تذكّرني:

أن بعض اللحظات لا تمضي، بل تعيش داخلنا، تسكن في أصغر الأشياء من حولنا، وتتكاثر في الصمت كألمٍ لا يُشفى.

 

كنت أتحدث إليها أحيانًا…

أقف أمامها وأقول بصوتٍ خافت:

 

 "اشتقت إليه… هل تسمعينني؟

هل ما زلتِ تنتظرين مثلي؟

أم أنكِ تعبتِ من الانتظار، كما تعبتُ أنا من حمل قلبٍ 

لا يعرف إلا أن يعود للّحظة نفسها… مرارًا؟"

 

وكان الجواب… دائمًا صمتها.

لكنني كنت أفهم، رغم ذلك، أن فيها حياة لم تنطفئ،

أن تلك العقارب التي توقفت… لا تزال تحرس الحنين،

ولا تزال تقف على باب الغياب كمن يمنع الزمان من الدخول، خشية أن يُفسد الذاكرة. 

 

أحيانًا، كنت أفكر: لو دقّت الساعة مرةً أخرى،

هل سيتحرّر قلبي؟ هل سأمضي أخيرًا؟

هل سأنسى وجهه، صوته، ضحكته التي كانت تُشبه الأمان؟

ثم أرتعد…

كأن دوران العقارب خيانة،

كأن تحركها يعني أنني تخلّيت عنه، عن حزني، عن ذلك الجزء المقدّس من ذاكرتي الذي بقي عالقًا عنده.

 

الزمن لا يداوي كل شيء…

بعض الفقد، يا عزيزي، لا يُشفى…

بل يتعلّم أن يتنفّس بين الذكريات.

 

تلك الساعة التي ترونها على الحائط لا تحتاج بطارية،

ولا تصليحًا…

هي فقط تحتاج صوتك…

لمستك…

ضحكتك العابرة التي كانت تُعيد إليها الحياة.

 

أما الآن، فهي تدقّ فقط في قلبي،

تدقّ في ذكراي،

تدقّ في الليل، حين أنام على وسادة ممتلئة بأسئلتي،

وتهمس لي — رغم توقفها —:

 

"هو لم يعد…

لكنّي ما زلتُ هنا،

أحفظه كما تحفظين،

وأتوقف… لأني لا أريد أن أنسى." 

 

أدركت أخيرًا… أن الزمن لا يمر حقًا،

أن بعض الأوقات تصبح مسمارًا في جدار الذاكرة،

يعلّق عليها القلب كل ما لم يعد قادرًا على احتماله.

 

اليوم، لم أعد أحاول إصلاحها…

ولم أعد أغضب من صمتها،

لأنني فهمت… أنها ليست معطّلة، وليست مكسورة،

بل هي — مثل قلبي — توقفت هناك…

في تلك الدقيقة التي خطفت معه كل شيء،

وتركتنا هنا… نعيش داخل ساعةٍ لا تدقّ… لكن صمتها يصرخ أكثر من أي صوت.

 

كل بيت له ساعة كهذه،

ساعة لا تُقاس بدقائقها،

بل تُقاس بما توقف عنده القلب… من وجع… 

وحنين… وذاكرة لم تُغلق يومًا.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى