بقلم د/ سماح عزازي
في عالمٍ تتكئ فيه الأرواح على عصا التراجع، وتتوارى الأحلام خلف ستائر الأعذار، خرجت امرأة من كهف الزمن، لتصفع اليأس على وجهه، وتعانق المحال بذراعين نَحَلَهُما العمر، لكن لم تنَل منهما الهزيمة.
ديانا نياد… لم تكن بطلة أولمبية، ولا حاملة لأوسمة عالمية حين بدأت حكايتها الأهم، لكنها كانت بطلة من طرازٍ آخر، بطلة من صنع الألم، والصبر، والإيمان العميق بأن الروح لا تشيخ… وأن الماء وإن كان غادرًا، لا يمكنه أن يغرق الحلم.
كانت ديانا، حين أخذ العالم يشيخ من حولها، تتشبث بحلمٍ يتجدد في عروقها كلما لفحتها رياح العمر. حلم قديم قدمَ طفولتها، بأن تعبر المسافة التي تفصل بين كوبا وفلوريدا سباحة. ليس لتُبهر الجمهور أو تملأ الشاشات، بل لتنتصر على الوحش القابع في الداخل… ذلك الذي يهمس كل مساء: "لقد فاتك الأوان."
بحرٌ من الألم… ومحاولةٌ من نور
لم يكن البحر يومًا حليفًا لها. أربع محاولات سابقة، خرجت منها ممزقة الجلد، مثقلة بالجراح، محملة بالخسارات. كانت قناديل البحر الصندوقية تلسعها بلا رحمة، وهي تمضي وسط الظلام، والتيارات المعاكسة تدفعها إلى حيث لا تريد، والمحيط يزمجر كأنه يقول: "عودي… هذا ليس لكِ."
لكنها لم تعد مهزومة، بل عادت مصقولة بالفشل، متشبثة بالعزيمة، ومصابة بـ"الجنون الجميل" كما وصفه البعض: جنون الحلم الذي لا يشيخ.
الرحلة الخامسة… أو الولادة الجديدة
وفي عام 2013، حين بلغ عمرها 64 عامًا، وهو عمرٌ يرى فيه البعض خاتمة الرحلة، قررت ديانا أن تبدأ من جديد. خمسٌ وستون عامًا من الحياة، لكنها قررت أن اللحظة الآن… لا الأمس، ولا الغد. فكان القفز في الماء من شاطئ هافانا هو إعلان ولادة امرأة أخرى، تمضي نحو الحلم، لا ترى المسافة بل ترى ما بعد الوصول.
180 كيلومترًا من السباحة، 53 ساعة دون نوم، دون أن تمس قاربًا، دون سندٍ إلا إيمانها. كانت تغوص، تطفو، تصرخ بصمتٍ لا يسمعه إلا البحر، وتهمس في كل ضربة ذراع: "لن أتوقف… ليس هذه المرة."
كانت تغوص في محيطين… أحدهما خارجي، مليء بالأمواج والمخاطر، والآخر داخلي، يضج بالأسئلة والظنون وصوت الزمن الذي لا يرحم: "أنتِ كبيرة في السن." "هذا مستحيل." "عودي."
لكنها واصلت… لأنها كانت تحارب شيئًا أعمق من الماء.
الوصول… والانتصار الحقيقي
وعندما وصلت أخيرًا إلى شاطئ "كي ويست" في فلوريدا، كان المشهد أشبه بمعجزة. امرأة شاخت على الورق، لكن ملامحها تحمل شراسة المقاتلين، تنهض من البحر بخطى مثقلة، لكنها مرفوعة الرأس، يتعثر جسدها، لكن روحها تمضي في السماء.
وسط التصفيق، والدموع، والذهول، وقفت ديانا نياد لتلقي كلماتٍ سيكتبها التاريخ بحبر الشجاعة:
"أريد أن أوضح 3 أشياء:
أولًا: لا تستسلم أبدًا.
ثانيًا: أنت لا تكبر أبدًا على مطاردة حلم.
ثالثًا: يبدو الأمر مستحيلًا… حتى يتحقق."
ما بعد الحكاية…
ديانا لم تهزم البحر فحسب، بل هزمت الوهم الأكبر… أن العمر حاجز، وأن الجسد إذا وهن، وهن الحلم معه. لقد أثبتت أن القيد الحقيقي لا يكون في العضل، بل في الفكر، وأن الطريق لا يُقاس بالمسافة، بل بالنية والإصرار.
إنها قصة امرأة واحدة، لكنها تلخص معاناة أجيال من الأحلام المؤجلة، والمواهب المنسية، والقلوب التي أُقنِعت أن الأوان قد فات.
إن ديانا نياد، بهذا الإنجاز، أعادت تعريف البطولة؛ فجعلتها ليست في النصر وحده، بل في رفض الهزيمة، وجعلت من البحر صفحةً كتبت عليها الإنسان حين يُؤمن بذاته.
في زمنٍ تُقاس فيه القيمة بالأرقام، والجدوى بالمنفعة، جاءت ديانا نياد لتذكّرنا أن الإنسان لا يُختزل في سنوات عمره، بل في عمق إرادته. وأن الذين يشيخون فعليًا، ليسوا من تساقطت أعمارهم، بل من دفنوا أحلامهم أحياء.
قد لا يعبر الجميع المحيط، لكن كلٌّ منا يملك بحرًا داخليًا عليه أن يواجهه.
فلنكن مثل ديانا… لا نهاب السباحة في التيار، ولا نخشى الغرق ما دمنا نحمل في صدورنا قارب الحلم.
ففي النهاية… يبدو كل شيء مستحيلًا، حتى يتحقق.
التعليقات الأخيرة