add image adstop
News photo

حين تشتعل النيران… ويقف الرجال

 

 

 بقلم د/سماح عزازي

 

في زمنٍ تتلاشى فيه المعاني، وتذوب فيه الكلمات بين صخب الشعارات والرتب اللامعة، نبحث عن موقف... عن مشهدٍ واحد يعيد إلينا الثقة بأن البطولة لم تنقرض، وأن الرجولة لم تُسحب من التداول، وأن "الواجب" ليس مجرد مادة قانونية بل عقيدة حية تنبض في صدور الرجال.

 

في زمنٍ أصبح فيه الحديث عن المسؤولية نوعًا من الفلسفة الباهتة، وعن الشجاعة رواية تُسرد على استحياء، خرج إلينا مشهدٌ نادر... مشهدٌ لم يُكتب في بيان رسمي، ولم تُسبق له كاميرا أو مجد إعلامي، بل كُتب بالنار، وخُطّ بالدخان، ونُقش في الضمير.

 

مشهد لرجلٍ من طين هذا الوطن، عميد شرطة لم يكن ينتظر تصفيقًا ولا ترقية، بل كان ينتظر شيئًا واحدًا: أن يُنقذ أرواحًا صغيرة تُصارع اللهب وتصرخ بأصواتٍ تخلع القلوب.

 

كان البلاغ بسيطًا في صيغته: "حريق في حضانة أطفال بأسيوط"، لكنه كان نداءً للسماء، امتحانًا للضمير، فرصة لتكتب الأرض قصة رجل يليق بهذا التراب.

في لحظة واحدة، تحوّل العميد حاتم صفوت الخشت من رجل أمنٍ إلى حارسٍ للحياة، من ضابط مسؤول إلى أبٍ لتسعين روحًا بريئة، ومن مأمور قسمٍ إلى مرسول شجاعةٍ لا يهاب النار ولا يخشى الموت.

 

هذه القصة ليست عن الحريق… بل عن النور الذي خرج منه،

وليست عن الأطفال فقط… بل عن الرجل الذي لم يتخلَّ عنهم حين تخلى الجميع،

ليست عن الدخان… بل عن الضمير الذي ظلّ يرى وسط العتمة.

 

ليست البطولة أن ترتدي زيًا رسميًا، ولا أن تضع على كتفك نجومًا ونياشين… البطولة الحقيقية أن يكون قلبك أسرع من النيران، وأن تسبق بندائك آهات المستغيثين، وأن تحفر اسمك في ضمير وطنٍ، لا على جدران المكاتب أو دفاتر الأوامر.

 

في أسيوط، في نهارٍ كاد يكون ككل نهارات الصعيد الحارة، جاء البلاغ:

"حريق في حضانة أطفال… ثلاثة طوابق مشتعلة… والتلاميذ بالداخل!"

 

لم يحتج العميد حاتم صفوت الخشت، مأمور قسم شرطة أول أسيوط، إلى اجتماعات طارئة، ولا إلى حساباتٍ للسلامة أو قرارات من فوق، لم يرفع الهاتف ليستدعي فرق الإنقاذ ثم ينتظر مشهدًا دراميًا ينتهي كما بدأت البلاغات الأخرى. بل تحرك كما تتحرك القلوب الصادقة، واندفع كما يندفع النبض في عروق رجلٍ لا يعرف التردد طريقًا إلى فكره.

 

استقل السيارة بنفسه، قادها كما يقود جسده نحو النار.

كان يدرك أنه ذاهب إلى المجهول، لكن صوت الأطفال المحاصر داخل البلاغ كان كافيًا لأن يشعل بداخله أعظم نداء للواجب: "أنقذهم... الآن!"

 

وصل إلى المكان، فوجد الكارثة بكل أركانها:

لهبٌ يزأر، دخان يخنق، صراخ بريء يخترق الجدران، ووجوه مذعورة عاجزة عن الاقتراب، لا من خوفٍ فقط، بل من هول المشهد الذي لا يُحتمل.

 

لم ينتظر العميد المدد، لم يقف يوجّه أو يصدر أوامر، لم يتراجع ليحسب احتمالات النجاة أو نسب الخطر.

بل اقتحم المبنى المحترق بجسده وروحه وقلبه، واندفع وسط ألسنة اللهب والدخان الكثيف، وسط صراخ أطفال يصرخون:

"الحقيني يا ماما!"

"الحقني يا بابا!"

 

كان وحده أول الأمر، ثم تبعه ثلاثة من الشباب المصريين الشجعان، لا يعرفون أسماءهم، لكن يعرفهم الله والتاريخ.

تكوّنت لحظتها وحدة إنقاذ من نوعٍ نادر، لا تحمل شعارًا سوى الإنسانية، ولا تعرف قيادةً إلا الضمير.

 

دخل العميد وخرج، ثم دخل وخرج، ثم دخل مرة ثالثة ورابعة… لا يهدأ، لا يتردد، لا يتأخر.

كان ينقذ طفلًا في كل مرة، يحمله كأنه قطعة من قلبه، يعبر به أروقة النار والدخان، يسلمه إلى برّ الأمان، ثم يعود دون أن يلتقط أنفاسه.

 

خمسة وتسعون طفلًا، خمسة وتسعون نفسًا بريئة، أنقذها العميد ورفاقه من مصيرٍ كان يمكن أن يتحول إلى مأساة وطنية دامية.

ولم يتوقف… إلا حين أسقطه الجسد المغلوب على أمره، وانهار مغشيًا عليه، بعد أن أدّى ما لا يمكن وصفه إلا بأنه "واجب سماوي"، أُوحي به إلى قلب رجلٍ لم يرضَ أن تموت البراءة في حضرته محترقة.

 

نُقل إلى المستشفى، يحمل آثار الحريق، آثار الدخان، وآثار التعب، لكنه لا يحمل أي شعور سوى الرضا… رضا رجلٍ علم أنه أدى الأمانة.

 

أيها السادة...

لسنا هنا بصدد قصة بطولية نكتبها لنملأ الفراغ أو نُطرّز بها صفحات الصحف. نحن أمام نموذج فذ، أمام ضابط مصري لم يقف على الحدود فقط، بل وقف على الحد بين الحياة والموت، واختار أن يكون على الجانب الذي تُبعث فيه الأرواح من جديد.

 

نحن أمام رجل من لحم ودم، لا من عناوين ومناصب. رجل لا تعرفه الشاشات، لكن تعرفه النار وتُقدّره السماء.

 

سيادة العميد حاتم صفوت الخشت، ومن معه من شباب مصر الجدعان، أنتم لستم مجرد رجال شرطة أو أبناء وطن، أنتم ضمير حي في زمن يختبرنا فيه الله كل يوم على هيئة بلاغ، أو موقف، أو طفل يستنجد من بين ألسنة اللهب.

 

ليت كل من وُكّل بمسؤولية في هذه الأرض يتعلّم منكم، أن الكرسي لا يصنع رجلًا، وأن الرتبة لا تعني شيئًا إن لم يكن وراءها قلبٌ ينبض بالشرف والواجب.

 

حين تنطفئ النيران، وتخبو الصرخات، ويعود الناس إلى منازلهم، تبقى بعض القصص متوهجة، تحترق في داخلنا كلما تذكرنا أن هناك رجالًا يراهنون على الحياة وسط اللهب.

 

العميد حاتم صفوت الخشت لم يكن مجرد مأمور قسم، بل كان رمزًا لوطنٍ إذا استُفزّت فيه الإنسانية، نهض من تحت الرماد رجال يملكون الشجاعة أن يضعوا أرواحهم على أكفّهم من أجل أن ينجو الآخرون.

 

لم يقف متفرجًا، لم ينتظر التعليمات، لم يتذرع بالمنصب أو الرتبة، بل لبّى النداء بصدره العاري، وقلبه الممتلئ بالواجب، وروحه المعلّقة ببراءة الأطفال.

 

ونحن إذ نسرد حكايته اليوم، لا نفعل ذلك من باب المجاملة أو الإشادة العابرة، بل من باب التوثيق لما تبقى من فضيلة في زمنٍ يفتش عن النماذج وسط الركام. هذا الرجل هو النموذج، هو الجواب، هو الدرس الذي ينبغي أن يُدرّس في أكاديميات الشرطة، وفي مدارس المواطنة، وفي ساحات الإعلام.

 

لقد أنقذ تسعين طفلًا من النار، لكن الأهم من ذلك، أنه أنقذ فينا الإيمان بأن الرجال الحقيقيين ما زالوا بيننا، وأن مصر ما زالت تنجب من يتقدم الصفوف حين تتأخر الكلمات.

 

فلتنحنِ القلوب قبل القبعات، ولترفرف الدعوات فوق سريره في المستشفى، ولتكتب الصحف — لا بالمداد فقط — بل بالحروف التي تليق بمن عبر النيران، وعاد حاملًا الحياة على كتفيه.

 

تحية إلى العميد حاتم، وتحية إلى هؤلاء الشباب، وتحية إلى هذا الوطن، الذي ما زال ينبت رجالًا يشبهون النور حين يخترق الظلام

 

تحية إلى العميد حاتم صفوت الخشت،

تحية إلى كل من كان معه،

تحية إلى هذا الوطن… الذي لا يزال فيه من يحترق ليحيا الآخرون.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى