add image adstop
News photo

إيران و"إسرائيل" صراعٌ حقيقي أم مسرحية محكمة الإخراج؟

 

 

بقلم د/ سماح عزازي

 

في رُكنٍ مظلم من خريطة الشرق الأوسط، وعلى خشبة مسرحٍ سياسي تتقاطع فيه المصالح وتتنافر فيه العقائد، تتكرّر المشاهد، وتتبدّل الأدوار، ويبقى "العداء" بين إيران و"إسرائيل" هو العرض الذي لا يُرفع عنه الستار، ولا تنطفئ أضواؤه. سنواتٌ طويلة ونحن نُطالع العناوين ذاتها: تهديدات متبادلة، اغتيالات غامضة، صواريخ تتساقط، وخطابات نارية تُشعل شاشات الفضائيات… لكن دون أن تتحوّل تلك النار إلى حرب شاملة، أو أن تهدأ بما يكفي لنقول إن السلام قاب قوسين أو أدنى.

 

تارةً يُصوَّر الصراع كحرب عقائدية وجودية، وتارةً يُوصَف بأنه صراع مصالح مرسوم، يُدار من خلف الستار تحت سقف دولي محكوم بالتوازنات الكبرى. وما بين من يُؤمن بأن "المواجهة حقيقية" ومن يجزم بأنها "مسرحية متقنة الإخراج"، تضيع الحقيقة بين ضباب الإعلام وضجيج السياسة، وتُترك الشعوب تتخبط في وهم العداء المطلق أو الخداع المطلق.

 

فهل ما يجري بين إيران و"إسرائيل" هو حقًا صراعٌ صادق تُسفك فيه الدماء من أجل المبادئ؟ أم أنه لعبة دولية تُدار بحبال خفية تخدم أجندات أعقد من الشعارات المعلنة؟ وهل نحن أمام معركة مصير، أم أمام "سيناريو دائم العرض" يخدم أطرافه في الداخل والخارج؟ في هذا المقال، نغوص في عمق المشهد، بعيدًا عن العناوين المستهلكة، لنفكك الرماد عن الجمر، ونكشف ما وراء الكواليس.

 

في مسرح الجغرافيا السياسية المتشابك في الشرق الأوسط، يبرز مشهدٌ يتكرر منذ عقود بين خصمين معلنين: الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والكيان الصهيوني. صراع يعلو صوته في كل أزمة، وتتناقله الشاشات كلما اشتد اللهيب في المنطقة، حتى أصبح سؤال "هل هو صراع حقيقي أم مسرحية مدروسة؟" جزءًا من وعي الشارع العربي والإسلامي.

 

لكن الإجابة لا تُختصر في "نعم" أو "لا"، بل تتطلب قراءة أعمق لمشهد متعدد الأبعاد.

 

أولاً: أركان الشك... لماذا يرى البعض أن ما يحدث مجرد "مسرحية"؟

1. غياب الحرب المباشرة رغم التهديدات

لعقود، لم نشهد مواجهة شاملة مباشرة بين الطرفين، رغم كل التهديدات والتصريحات المتبادلة. هذا الغياب جعل كثيرين يتساءلون: أليس هذا غريبًا في ظل هذا الكم من العداء المعلن؟

 

2. صراخ إعلامي وهدوء سياسي

التصريحات النارية كثيرًا ما تتبعها جلسات تفاوضية هادئة في الكواليس، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء دوليين، ما يعزز فرضية أن الصراع يُستخدم كأداة ضغط لا أكثر.

 

3. المصالح المتقاطعة

لا يمكن إنكار أن الطرفين جنيا ثمارًا من هذا العداء:

 

إيران: عززت نفوذها في الإقليم باسم "محور المقاومة".

 

إسرائيل: وسّعت تحالفاتها الغربية والعربية بمبرر "الخطر الإيراني".

 

4. توقيتات مريبة للتصعيد

يتكرر التصعيد العسكري أو الإعلامي في أوقات حرجة: انتخابات، مفاوضات نووية، اضطرابات داخلية... كأن الصراع يُدار بالريموت كنترول، حسب الحاجة السياسية.

 

ثانيًا: أركان الواقع... لماذا لا يمكن وصف الصراع بـ"المسرحية" بالكامل؟

1. خسائر على الأرض ودماء حقيقية

اغتيالات نوعية، وقصف مباشر، وردود بصواريخ وطائرات مسيّرة... هذه ليست مشاهد درامية، بل وقائع موثقة، كان آخرها الضربة الإيرانية المباشرة للأراضي المحتلة في أبريل 2024 – سابقة خطيرة في تاريخ العلاقة بين الطرفين.

 

2. صراع عقائدي وجيوسياسي

إيران تعتبر "إسرائيل" كيانًا غاصبًا يجب زواله، بينما ترى "إسرائيل" في إيران خطرًا وجوديًا لا يمكن التساهل معه، خصوصًا في ظل تطور المشروع النووي الإيراني.

 

3. التمدد الإقليمي والصراع على النفوذ

من اليمن إلى سوريا ولبنان والعراق، يدور بين الطرفين صراع نفوذ عنيف، تستخدم فيه إيران "وكلاءها"، وترد إسرائيل بعمليات استخباراتية وعسكرية دقيقة.

 

ثالثًا: بين الحرب والمسرحية... أين تقف الحقيقة؟

الواقع أكثر تعقيدًا من الأبيض والأسود. فالصراع:

 

ليس تمثيلًا بالكامل، لأن هناك دماءً تُسفك ومصالح تُصادر ومناطق تُقصف.

 

وليس حربًا شاملة، لأن الحسابات الدولية والإقليمية تفرض ضوابط تمنع الانفجار الكامل.

 

إنه صراع محسوب، تُضبط فيه درجة التصعيد بعناية، ويُستخدم كورقة تفاوض وتخويف وتعبئة داخلية وخارجية في آنٍ واحد.

 

رابعا: من المستفيد؟

1. إيران: تعزز شرعية النظام داخليًا من خلال صورة "العدو الصهيوني"، وتزيد من ثقلها الإقليمي بمشروع "محور المقاومة".

 

2. "إسرائيل": تحصل على دعم أمريكي وغربي مستمر، وتُطوّع الملف الإيراني لتبرير تحالفاتها العسكرية مع الدول العربية وتبرير قمع الفلسطينيين.

 

3. الولايات المتحدة وأوروبا: تظل ممسكة بخيوط اللعبة، توازن بين الضغط والاحتواء، وتبيع الأسلحة وتعيد رسم الخرائط كلما لزم الأمر.

 

خامسًا: أين العرب من كل هذا؟

للأسف، في كثير من الأحيان، يُكتفى بالمشاهدة أو يُستدرج بعضهم للدخول في محاور مرسومة سلفًا، دون وعي استراتيجي بحقيقة الصراع، ودون امتلاك إرادة مستقلة لبناء موقف موحد في مواجهة الخطرين معًا: التمدد الإيراني والمشروع الصهيوني.

 

حين تختلط الحقيقة بالخداع

إن ما يحدث بين إيران و"إسرائيل" لا يمكن اختزاله في "مسرحية هزلية" ولا في "حرب عقائدية" شاملة، بل هو مشهد مركّب، فيه من الدهاء السياسي بقدر ما فيه من العنف الميداني، ومن التوظيف الإعلامي بقدر ما فيه من الرهانات الدولية.

 

ليس كل ما يُرى على السطح يُعبّر عن الحقيقة، وليس كل ما يُقال من على المنابر يُقال صدقًا. إن الصراع بين إيران و"إسرائيل" — سواءً في دمشق أو غزة أو مياه الخليج — هو لوحة متعددة الطبقات: تحت كل طبقةٍ خطاب، وتحت كل خطابٍ مصلحة، وتحت كل مصلحةٍ صفقة تُعقد أو تُفكّك، بعيدًا عن شعارات "الممانعة" و"الردع" و"الوجود".

 

لقد باتت الحرب أداة سياسية، كما بات السلام سلاحًا تكتيكيًّا. وما بين القصف الموجّه والتصريحات المرتّبة، تظل الحقيقة مرهونة بوعي الشعوب وقدرتها على القراءة خارج النص. فليست البطولة في الضجيج، وليست الخيانة في التفاوض، إنما البطولة في وضوح الهدف، والخيانة في تغييب الوعي، والكارثة في أن يتحوّل الجميع إلى أدوات في لعبة أكبر منهم، يُقرَّر مصيرهم في غيابهم.

 

إننا لا نملك ترف التصفيق لهذا أو ذاك. ولا ينبغي أن نُؤخذ ببريق الشعارات ولا بضجيج الصواريخ التي لا تغيّر قواعد اللعبة. بل يجب أن نسأل: من المستفيد؟ ومن المتضرر؟ ومن يتحكم بخيوط اللعبة؟ وكيف نملك نحن — كعرب وكمسلمين — زمام المبادرة، لا أن نظل رهائن لسيناريوهات تُكتب بحبرٍ لا يُرى، ودمٍ يُسفك على أطلال أوطاننا؟

 

ففي عالمٍ تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، لا بد من بوصلة وعي، ومنصة صدق، وسيف تحليل يُمزّق رداء التضليل... وإلا، سنظل نكتب عن صراعات "الآخرين" وهم يكتبون تاريخنا بدمائنا.

 

إنها رقعة شطرنج يتقن الطرفان لعبها، بينما الشعوب تتلقى الشظايا...

 

فهل آن الأوان أن نخرج من دور المتفرج؟

وهل نملك الشجاعة لنفهم: من العدو الحقيقي؟ ومن يُدير اللعبة؟ وأين نقف نحن منها؟

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى