بقلم د/سماح عزازي
في العاشر من محرّم... حين تتنفس الذاكرة
في مواسمٍ تختبئ خلفها الأرواح، وينبض الزمان بعطرٍ موغلٍ في القدم، يأتي عاشوراء، لا كي يُضاف إلى تقويم الأيام، بل ليوقظ فينا أوجاعًا مدفونة، وذكرياتٍ تلمع كما البرق في سماءٍ موحشة. عاشوراء ليس مجرّد يومٍ على هامش التاريخ، بل مفصلٌ انفتحت فيه أبواب المعنى على مصراعيها، وتجلّت فيه سنن الله في النصر والهلاك، في الصبر والدم، في الطغيان والعدل، في النجاة والغدر.
يومٌ يتقاطع فيه خطّ الزمان مع خطّ العقيدة، وتلتقي فيه سفينة موسى مع دماء الحسين، وتُكتب على صفحاته سنّةُ الله التي لا تتبدّل: أن الأرض لله يُورثها من يشاء من عباده، وأن الحق لا يُهزم حتى وإن ذُبح على رمال كربلاء، وأن الطغاة مهما طغوا، فلن ينجوا من غرقٍ مكتوب في ليل البحر.
في عاشوراء، نحن لا نُحيي ذكرى، بل نُحيي أرواحنا التي أنهكتها الفتن، لنستنشق من عبيره دروسًا تعيد ترتيبنا من الداخل، وتستنهض فينا ضميرًا كاد أن يخفت صوته في ضجيج الحياة.
هو يومٌ صامتٌ في التقويم، صارخٌ في التاريخ… من نجا فيه موسى، واستُشهد فيه الحسين، فماذا بعد من يومٍ اختصر قصص النبوّة والبلاء والنجاة والشهادة في سطورٍ من نور ودم؟
في العاشر من محرّم، تهتزّ ذاكرة التاريخ، وتفيض المآقي بدمعةٍ قديمةٍ لا تنضب، كأنّ الزمان اختزن وجعًا لا ينسى، وعبرة لا تنتهي… هو يوم "عاشوراء"، اليوم الذي تلاقت فيه الأنبياء والدماء، الصيام والشهادة، التجلّي والبلاء. يومٌ تاهت فيه قلوب، واهتدت فيه أرواح… فكيف لا نقف عنده طويلًا، نستقرئ معانيه، ونتأمل عبره، ونغسل أرواحنا من غبار النسيان؟
عاشوراء في ميزان الشريعة
إنّ يوم عاشوراء من الأيام التي عظّمها النبي ﷺ، وقد ورد في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:
"ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضّله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان."
(رواه البخاري ومسلم)
ولم تكن هذه العناية النبوية بهذا اليوم وليدة حدثٍ عابر، بل كانت ذات جذور ضاربة في التاريخ الإلهي للبشرية، فقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ لما قدم المدينة ورأى اليهود يصومونه، قال:
"ما هذا؟" قالوا: "هذا يومٌ صالح، هذا يومٌ نجّى الله بني إسرائيل من عدوّهم فصامه موسى".
فقال النبي ﷺ:
"فأنا أحقّ بموسى منكم"، فصامه وأمر بصيامه.
(رواه البخاري ومسلم)
هكذا، امتدت قداسة اليوم من شاطئ التوراة إلى بحر الإسلام، فتلاقت الشرائع في صيامه، وإن اختلفت في رؤاها.
نجاة موسى… وتوحيد النجاة
يرتبط عاشوراء بذكرى عظيمة في التاريخ النبوي، هي نجاة سيدنا موسى عليه السلام وقومه من فرعون وجنوده. تلك اللحظة التي انشق فيها البحر بمعجزة ربانية، ليعبر موسى بجيشه المؤمن طريق الخلاص، بينما ابتلع الطغيانُ في جُبِّه.
قال تعالى:
"فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرقٍ كالطود العظيم"
[الشعراء: 63]
وفي هذا التجلّي الإلهي، تظهر معاني النصر للحق ولو بعد حين، والخذلان للباطل مهما علا جبروته. فكان صيام عاشوراء شكرًا لله على هذه النجاة، وتأكيدًا لسنّة الإيمان: أن الله يُنجي عباده الموحدين وإن طال البلاء.
صيام عاشوراء… شعيرة بين الشكر والتكفير
جاء في الحديث عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
"صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله."
(رواه مسلم)
هكذا، جعل الله هذا اليوم بابًا من أبواب المغفرة، وطوق نجاةٍ لمن ضاقت به الذنوب. وليس المقصود تكفير الكبائر دون توبة، بل يُرجى تكفير صغائر الذنوب، وتطهير القلب من آثار الغفلة.
وقد استُحبّ صيام يوم قبله أو بعده، مخالفةً لليهود، فقال النبي ﷺ:
"لئن بقيتُ إلى قابل لأصومن التاسع."
(رواه مسلم)
فمن صام التاسع والعاشر، أو العاشر والحادي عشر، نال كمال الفضيلة، وحقّق المعنى الروحي العميق في اتباع النبي ﷺ وتجلية أثر السنّة.
عاشوراء والدمعة التي لا تجف… كربلاء
ولعاشوراء وجهٌ آخر، لا تُدركه إلا الأرواح التي عرفت مذاق الفقد والظلم، وجهٌ دمويّ كُتب بمداد الشهادة، حين استُشهد الحسين بن علي رضي الله عنهما في يوم عاشوراء من عام 61 هـ في موقعة كربلاء.
وكانت تلك المجزرة جرحًا في قلب الأمة لا يلتئم، حين اجتمع على حفيد النبي ﷺ سيوف الغدر، وارتفعت رايات الطمع باسم الخلافة.
قال الحسن البصري رحمه الله:
"قتلوا يومئذٍ خير أهل الأرض، وسبيت ذريّة خير الناس، وأُهين وجه النبوّة."
(البداية والنهاية، ابن كثير)
ومع أنّ السنّة لم تُشرع الحزن الموسمي، فإنّ القلب لا يملك إلا أن يضطرب ألمًا حين يُذكر الحسين، سبط رسول الله ﷺ، وسيد شباب أهل الجنة، وقد قال فيه ﷺ:
"حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسينًا."
(رواه الترمذي)
فكان يوم كربلاء شهادةً للحق على مذبح الخلاف السياسي، واستيقظت به ضمائر الشعوب، وخلّد التاريخ تلك الوقفة الخالدة: "هيهات منّا الذلّة".
عاشوراء بين التقديس والغلو
وفي كل موسم عاشوراء، تنبعث من بين طيات المناسبة مظاهر متباينة بين الإفراط والتفريط. فبين من يحوّله إلى موسم بكاءٍ ولطمٍ وشقّ للجيوب، ومن يتعامل معه بروتين ديني جامد، يضيع المعنى الحقيقي لهذا اليوم بين طقوسٍ لا تمسّ الروح، وجدليات لا تنفع القلوب.
لقد علّمنا الإسلام أن الحزن لا يكون لطمًا ولا إيذاءً، وإنما وقوفًا صادقًا مع الحق، وتذكيرًا عمليًا بسُنن الابتلاء، وتربية للضمير ليبقى يقظًا في وجه الظلم.
قال ابن تيمية رحمه الله:
"لم يأمر النبي ﷺ ولا خلفاؤه بصيام عاشوراء حزنًا على الحسين، ولم يُشرع الفرح في هذا اليوم، بل هو يوم تعظيم لله وصيام، وذكر للنجاة."
(مجموع الفتاوى، 25/299)
في دروب التأمل… ماذا يعلمنا عاشوراء؟
1. أن النصر لا يقاس بالعدد، بل بالإيمان… كما نجا موسى بقومه، وخلّد الحسين بموقفه.
2. أن الظالم إلى زوال، وإن طال زمانه، فإن البحر لن يُبقي فرعونًا.
3. أن الصيام ليس عادة بل عبادة توقظ القلب، وتعلّم الشكر، وترتقي بالنفس.
4. أن الدماء الزكية لا تذهب سُدى، بل تكتب بمدادها دروسًا لا تندثر.
5. أن التاريخ حين يُنسى، تعاد مآسيه بأسماء جديدة.
بين موسى والحسين… دروس خالدة
في عاشوراء، تتلاقى ظلال النبوّة بنبض الشهادة. يخرج الإنسان من ضيق الدنيا إلى سعة المعنى، حين يتأمل أن النجاة ليست دائمًا بخروج من بحر، بل أحيانًا تكون بغرقٍ في الحق، كما فعل الحسين.
فلنصم عاشوراء، لا كعادةٍ سنوية، بل كذكرى للبصيرة، وعهدٍ نجدد فيه ولاءنا للحق، وموقفًا لا ننسى فيه أن لكل عاشوراء فرعون، ولكل فرعون بحرًا، ولكل بحر موسى… ولكل زمنٍ حسين.
ما بين البحر والرمال… خيطٌ من نور ودم
وتمضي الأيام، وتطوى الصحائف، ويبقى عاشوراء شاهدًا خالدًا على أن لله في خلقه سننًا لا تموت، وعلى أن الحق لا يُقاس بسنابك الجيوش، بل بثبات الموقف ونقاء العقيدة. لقد مضى موسى ووقف البحرُ بينه وبين الغرق، ومضى الحسين ووقف الدم بينه وبين الذل، ومضت الأمة في نسيانها، لكنها تعود كل عاشوراء لتسأل: من نحن؟ وعلى أيّ درب نسير؟
عاشوراء لا يُطلب فيه البكاء، بل يُطلب فيه الفهم، لا يُطلب فيه الحزن المجرد، بل البصيرة التي تجعلنا نقرأ التاريخ لا كقصةٍ قديمة، بل كمرآةٍ للحاضر، وعدسةٍ نحو المستقبل. فهل ندرك أنّ كل عاشوراء جديد هو امتحان جديد؟ وأننا بين أن نكون كفرعون غارقًا في وهم القوة، أو كموسى هاربًا بإيمانه إلى النور؟ بين أن نكون كيزيد متخمًا بالسلطة، أو كالحسين صائمًا عن الذلّ في ميدان الشهادة؟
فلنصم عاشوراء لا كطقسٍ عابر، بل كعهدٍ نُجدد فيه ولاءنا لله، ورفضنا للطغيان، ووفاءً لدمٍ زكّى الأرض ذات كربلاء. لنقرأ فيه القرآن كما قرأه موسى، ونقف فيه كما وقف الحسين، ونفهم أن عاشوراء ليس يومًا، بل مبدأ، وأن المبدأ لا يُدفن وإن وارته الرمال.
وفي النهاية، قد تمضي الأعوام، وتشيخ السنون، لكن عاشوراء سيظل حيًّا ما دامت هناك قلوب تبحث عن الله، وأرواح ترفض الركوع إلا له، وسُلالة من الأحرار لا تعرف سوى درب واحد:
"النجاة بالإيمان أو الشهادة للحق".
المراجع:
1. صحيح البخاري، كتاب الصوم.
2. صحيح مسلم، كتاب الصيام.
3. سنن الترمذي، باب مناقب الحسن والحسين.
4. البداية والنهاية – ابن كثير، ج8.
5. مجموع الفتاوى – ابن تيمية، ج25.
6. تفسير ابن كثير – سورة الشعراء.
7. السيرة النبوية – ابن هشام.
التعليقات الأخيرة