بقلم د/سماح عزازي
"لم تكن المرأة يومًا حكاية تروى، بل كانت دومًا سؤالًا
يؤجل، وجسدًا يُؤطر، وذاتًا تتنازعها اللغات."
في عالم الأدب، كثيرًا ما كُتبت المرأة على الورق قبل أن تكتب نفسها، وظلّت عبر العصور بين صورة يتخيلها الرجل، وصوت تبحث عنه في النصوص.
بين القرن التاسع عشر الفرنسي، حيث كانت المرأة بطلة معذبة في روايات فلوبير وزولا وبلزاك، إلى المرأة العربية المعاصرة التي صارت تكتب الألم، وتكسر القالب، وتواجه العالم بجرأة الحبر.
في فرنسا القرن التاسع عشر، كانت المرأة عنوانًا للغواية أو الفضيلة، مرآة لقلق الرجل الوجودي، أو تجليًا لحلمه الرومانسي.
أما في الأدب العربي الحديث، فقد خرجت من عباءة الرمز إلى فضاء الفعل، لتتحول من موضوع إلى ذات، ومن مفعول به إلى فاعل سردي يكتب ويقاوم.
وهنا، في هذا النص المقارن، لا نسعى لتفضيل تجربة على أخرى، بل نقرأ كيف تتشكل صورة المرأة في مرآتين مختلفتين: مرآة الغرب التي انعكست فيها نظرة القرن، ومرآة الشرق التي تموج فيها صرخات الأنثى العربية الباحثة عن حريتها داخل اللغة وخارجها.
"بين حكايات بودلير وخيالات بلزاك، كانت المرأة ظلًّا شعريًا هشًا…وبين صرخات غادة السمان ونثر أحلام مستغانمي، أصبحت المرأة سطرًا لا يخشى المواجهة."
هل كانت المرأة يومًا مجرّد حضور لغوي؟
هل كانت في الأدب مجرّد استعارة للرغبة، أو مرآة لرؤية الرجل؟
تلك أسئلة لا يجيب عنها الواقع الاجتماعي فقط، بل تتجلى بأوضح صورة في مرآة الأدب… حيث اللغة تنطق بما يخفيه العقل الجمعي، وتفضح الصورة التي تُرسم للمرأة عبر العصور.
في هذه الدراسة الأدبية المقارنة، نغوص بين قرنين وزمنين:
القرن التاسع عشر في فرنسا، حيث شكّلت المرأة أيقونة جمالية وخطية رمزية في أدب التنوير والرومانسية والواقعية.
ثم ننتقل إلى الأدب العربي المعاصر، حيث تحولت المرأة من موضوع للكتابة إلى ذات تكتب، تعلن، وتقاوم.
المرأة في الأدب الفرنسي: حضور باذخ... بلا صوت
في القرن التاسع عشر، بدا الأدب الفرنسي وكأنه يحتفي بالمرأة، لكنه في الحقيقة حبسها داخل أُطر محددة: العاشقة، العذراء، العاهرة، الأم، الساحرة.
كان حضورها مبهجًا للنص، لكنه غائب عن الفعل.
تأملنا في شخصيات مثل:
إيما بوفاري في رواية "مدام بوفاري" لـ غوستاف فلوبير
ناتالي في كتابات ألفونس دي لامارتين
مارغريت في "غادة الكاميليا" لـ ألكسندر دوما الابن
سنجد أن المرأة غالبًا ما تكون مرآة لانكسارات الرجل، أو موضوعًا للعقاب الأخلاقي، أو تُقتل لأنها تجاوزت حدود “المقبول”.
حتى في أعمال بودلير الشعرية (كالزهور الشريرة)، حيث بدا أنه يعبد جسد المرأة، إلا أنه يجرّده من المعنى الإنساني، ليصبح كائنًا غامضًا، جميلًا، ومهلكًا في آن.
كانت المرأة في الأدب الفرنسي – باختصار – مفعولًا به لغويًا وشعريًا، لا تملك وعيًا مستقلًا، بل تتحدّد دائمًا من خلال الرجل.
تحوّل المفهوم في الأدب العربي المعاصر
أما في الأدب العربي المعاصر، فنشهد تحولًا جذريًا في موقع المرأة.
لم تعد مجرد موضوع للكتابة، بل أصبحت ذاتًا كاتبة، تنسج لغتها الخاصة، وتعيد تشكيل وعيها.
من كتابات:
غادة السمان (رسائل الحنين والتمرد)
أحلام مستغانمي (ذاكرة الجسد، فوضى الحواس)
سلوى بكر، هدى بركات، عالية ممدوح، رجاء عالم… وغيرهن
نلاحظ أن المرأة تكتب من داخل تجربتها، وتضع الجسد، والرغبة، والسياسة، في قلب السرد.
لم تعد تنتظر الخلاص من الرجل، بل تسائله، تفضحه، وتختبر هشاشته.
وفي الرواية العربية، خصوصًا بعد السبعينيات، ظهرت نماذج نسائية تتمرد على التقاليد، والدين، والهوية الجمعية، وتخترق الممنوع والمحظور.
ولم تعد "البطلة" منكسرة، بل صارت شخصية متناقضة، مُحطّمة، ولكنها واعية بتلك الكسور.
التناقض الجوهري الرؤية أم الصوت؟
الفرق الجوهري بين الصورتين يكمن في الآتي:
الأدب الفرنسي الكلاسيكي رأى المرأة، لكنه لم يسمعها.
الأدب العربي المعاصر سمع المرأة وهي تتحدث بجرأة، وتعيد صياغة صورتها بيدها.
ففي فرنسا، صُنعت الصورة بأقلام رجال يتخيّلونها.
أما في الأدب العربي الحديث، فهناك أقلام نسائية تكتب عن الذات النسوية لا كصورة، بل كوعي، كجسد، كألم، وكقضية.
تقاطعات وتحولات:
رغم الاختلاف الزمني والثقافي، ثمة تقاطعات لافتة:
المحور الأدب الفرنسي (ق19) الأدب العربي المعاصر
موقع المرأة موضوع جمالي وسردي ذات فاعلة وكاتبة
شكل الحضور مجازي، شاعري، غامض مباشر، واقعي، صادم
العلاقة بالرجل تابعة أو عدوة ناقدة، مقاومة، شريكة
تمثيل الجسد موضع رغبة أو تهديد مركز للتعبير والسلطة
من الظل إلى النص
في النهاية، تظهر المقارنة بين الصورتين كمشهدين لرحلة وعي أنثوي طويل.
المرأة التي كانت تُرى ككائن غامض متموّج في أحلام الأدباء الفرنسيين، أصبحت في الأدب العربي المعاصر كاتبة تُعلن حضورها، تمزّق اللغة التقليدية، وتعيد تشكيل السرد.
المرأة لم تعد تنتظر أن تُوصف، بل صارت تكتب ذاتها بكامل تناقضها وجمالها وغضبها.
وإذا كان القرن التاسع عشر الفرنسي قد رسم لها إطارًا من ذهب، فإن المرأة العربية المعاصرة كسرت الإطار، وخرجت تمشي في شوارع اللغة حافية، ولكن حرة.
"ما بين ظلّ المرأة في الأدب الفرنسي الكلاسيكي، وصرختها في الأدب العربي الحديث، نقرأ مسيرة تحرر لا تبدأ بالكلمات فقط، بل بالوعي العميق بالذات."
إن مقارنة صورة المرأة بين الأدبين ليست تمرينًا شكليًا في النقد، بل رحلة في عمق التحوّل الحضاري والثقافي، من المرأة التي تُروى، إلى المرأة التي تروي، ومن الحلم بها، إلى الحلم على لسانها.
فبين إيما بوفاري التي ماتت خنقًا في بيت الكلمات، وبين زينة أحلام مستغانمي التي رفعت جسدها في وجه اللغة والتاريخ، مسافة من الألم والتحوّل، من التشييء إلى التمكين، من الشعرية الذكورية إلى الواقعية النسوية.
وإذا كان القرن التاسع عشر قد صنع للمرأة قفصًا من ذهب في الخيال الفرنسي، فإن المرأة العربية المعاصرة كسرت القفص، ومضت إلى المدى، تبحث عن صوتها بين الركام، وتنسج من وجعها قصائد، ومن صمتها حكايات.
هكذا تظل المرأة في الأدب مقياسًا لنبض الوعي الجمعي، ومؤشرًا على تحولات الثقافة، لا لأنها "موضوع أدبي"، بل لأنها "مفتاح لفهم المجتمع بأكمله".
فهل نمنحها المساحة لتكتب ذاتها حقًا؟
أم سنبقى ندور في فلك الصور القديمة، ونتغنّى بأنوثة مصنوعة على مقاس الخيال الذكوري؟
التعليقات الأخيرة