بقلم د/ سماح عزازي
قصة عن كلمات ظلّت تنتظر قارئها…
وظلّ قارئها غائبًا إلى الأبد.
ليس كل الصمت موتًا…هناك صمتٌ مليء بالضجيج…
ضجيج الحنين، والندم، والكلمات التي لم تُقال يومًا.
في ذلك الركن البعيد، صندوق خشبي صغير…ربما مرّ عليه الجميع ولم يلحظوه، ربما ظنوه شيئًا قديمًا بلا قيمة… لكن
لا أحد يعرف أنه يحتوي على حياة بأكملها… حياة مكتوبة بالحبر والدموع.
كل ورقة بين طياته ليست مجرد رسالة…
بل شهقة قلب خائف، نبض خذلته الشفاه، اعتراف تأخر
عن موعده، وحنين لم يجد من يحتضنه.
هنا، في هذا الصندوق…
كلمات تعلّمت أن تنضج وحدها، أن تكبر دون أن تُقال،
أن تتآكل ببطء في حضن الخشب، كما تتآكل القلوب حين تُحب في صمت.
لم يفتحه أحد…
ربما لأننا جميعًا نخشى أن نقرأ الأشياء التي خبأناها نحن أيضًا في صناديق قلوبنا، أن نواجه تلك الحقيقة القاسية:
أن بعض الحب، حين يتأخر، يصبح… رسالة بلا عنوان.
في زاوية بعيدة من خزانة قديمة،
كان هناك صندوق خشبي صغير، مُغلق بعناية… عليه طبقة من غبار السنين، كأن الزمن نفسه مرّ من هنا… ولم يجرؤ على فتحه.
لم يكن صندوقًا للذكريات كما تظن، بل صندوقًا للكلمات… للرسائل التي لم تُقرأ، أو ربما… لم يُكتب لها أن تصل.
كل رسالة كانت تحمل تاريخًا، ورائحة وقتٍ لم يعد موجودًا.
خطوط اليد المرتجفة، الكلمات المبعثرة، بقع الحبر التي تسرّبت بفعل دمعة ربما سقطت أثناء الكتابة… كلها كانت تقول شيئًا واحدًا:
"هنا… كان هناك حبّ.
حب لم يكتمل، لم يُسمع، لم يصل… لكنه كان موجودًا،
بقوة، بصدق، حتى وإن خذله الطريق."
كانت هناك رسائل بدأت بـ:
"لم أقلها يومًا… لكنني أحبك."
وأخرى كتبت على عجل:
"سامحني… لم أعرف كيف أقولها حين كنت أمامك."
ورسائل طويلة…
مليئة باعتذارات متأخرة، وذكريات لم يجرؤ أصحابها أن يبوحوا بها وجهًا لوجه، كأن الورق وحده كان شاهدًا على قلوب تكلّمت حين صمتت الألسنة.
الغريب أن أحدًا لم يفتح الصندوق،
لا أحد عرف لماذا بقي مغلقًا كل هذه السنوات.
ربما لأن بعض الكلمات ولِدت لتُكتب فقط… لا لتُقال.
ولأن بعض القلوب تعتقد أن البوح — حين يتأخر — يصبح أثقل من أن يُسمع…
فيختبئ في صندوق،
يُغلق بإحكام،
ويُترك…
شاهِدًا صامتًا على ما لم يحدث أبدًا.
كان الصندوق صغيرًا… لكنه بدا لي، في تلك اللحظة، أكبر من العمر كله. كأنه يحمل بين أضلعه أصواتًا لم تُقال، ودموعًا جفّت على ورق، وقلوبًا ظلّت معلّقة بين الرجاء والخوف…
رجاء أن تصل… وخوف أن تُرفض.
كم من يدٍ ارتجفت وهي تكتب، وكم من كلمةٍ ترددت قبل أن تستقرّ على الورق، كم من نبضٍ اختبأ بين السطور، خوفًا من مواجهة الحضور، فاختار صاحبه أن يكتب… لا ليُرسل،
بل ليُخفّف عن قلبه شيئًا من ثقل الصمت.
الغريب أن الورق رغم اصفراره… ما زال دافئًا،
كأن أصابعهم ما زالت هنا، كأن الحبر لم يجفّ حقًا، بل لا يزال ينزف حبًا، وندمًا، وحنينًا، كأن كل رسالة منها لم تكن مجرد كلمات، بل أنين قلب… ظلّ ينتظر أن يُسمع، ولم يُسمع.
كان شيء غريب يحدث لي كلما وضعت يدي على غطاء الصندوق… كأنني ألمس قلوبًا كثيرة، لا وجوه لها، لا أصوات، لكنها تنبض من تحت الخشب، تقول لي في صمتٍ موجع:
"كنا هنا… أحببنا… خفنا… صمتنا… ثم غبنا."
تخيلت الأصابع التي خطّت تلك الكلمات…
كيف ارتجفت، كيف توقفت في منتصف السطر،
كيف انهمرت دمعة على حرفٍ لم يكتمل، فسال الحبر وتشوهت الكلمة، لكنها لم تمت.
كم من شعور عالق هنا…
خوف، ولهفة، وندم، وأملٌ مكسور، ورسائل كُتبت — لا لتُقرأ — بل لتُخفّف عن قلبٍ لم يحتمل فكرة أن يموت الكلام داخله صامتًا.
صندوق صغير؟ ربما في عين الغرباء. لكن بالنسبة لي…
كان مقبرة صغيرة، دُفنت فيها رسائل لم تصل، واعتذارات لم تُقال، و"أحبك" خجولة، لم تجد طريقها إلى من يستحق سماعها.
اليوم، مررت بأصابعي على غطائه الخشبي، تساءلت للحظة: هل أفتحه؟ هل أقرأ ما لم يُقرأ؟ لكن يدي توقفت…
وأدركت أن بعض الرسائل، حين تمر عليها يد الغياب،
تصبح ضريحًا صغيرًا لحب لم يُولد.
وقفت أمامه طويلًا…
أصابعي على الغطاء، وقلبي يتساءل: هل أفتحه؟ هل أقرأ ما لم يُقرأ؟ هل أمنح تلك الكلمات فرصة أن تتنفس أخيرًا؟
لكنني تراجعت…
لأنني فهمت فجأة… أن بعض الرسائل خُلقت لتبقى مختومة.
أن هناك أشياء، حين تتأخر كثيرًا، لا تعود صالحة للقراءة،
لا لأن الكلمات ماتت…بل لأن القلب الذي كُتبت له، لم يعد هنا.
لهذا… تركته مغلقًا
تركت الصندوق كما هو، وربتُّ على غطائه الخشبي كمن يربت على كتفِ صديقٍ يتألم بصمت،وهمست للصندوق كما لو كان قلبًا لم يجد يومًا من يفهمه: همست له، ولنفسي، وللرسائل التي لم تصل يومًا:
"لا بأس… أعرف أنكم أحببتم، بصدق…
حتى لو لم تصل الرسائل.".
في المساء… حين عاد البيت إلى صمته المعتاد،
جلست أمام الصندوق مرة أخرى.
لم أفتحه…
لكنني هذه المرة لم أكتفِ بالمشاهدة. أحضرت ورقةً بيضاء… وبدأت أكتب. لا أدري لمن كانت الرسالة، ولا لماذا كتبتها أصلًا… لكني شعرت فجأة أن قلبي لم يعد يحتمل المزيد من الصمت، أنني — مثلهم — أملك شيئًا لم يُقال،
أملك وجعًا لم أجد له كتفًا،
وحبًا قديمًا، جاف حلقه من الانتظار، لكنه ما زال حيًا.
كتبت…
بخطٍّ مرتجف، بكلمات غير مرتّبة، بأخطاء نحوية لا تهمّ أحدًا،
فمن يكتب من قلبه لا يراجع… بل ينزف. كتبت كما يكتب الجريح على جدار زنزانته، كما يصرخ اليتيم في صدر الليل،
كما ينادي الغريق باسمٍ لا يسمعه إلا الله. ثم طويت الورقة… ووضعتها في الصندوق. أغلقت الغطاء برفق، وربتُّ عليه كما تُربّت الأم على صدر طفلها الذي نام باكيًا…
وهمست:
"هذه رسالتي… لن يقرأها أحد، لكنها تشبهني. تشبههم جميعًا… الذين أحبّوا في الظل، وانتظروا دون وعد، وكتبوا دون أن يرسلوا."
ربما لم يفتح أحد الصندوق يومًا، لكنني أعلم الآن… أن الكلمات بداخله لا تموت، وأن القلوب التي كتبتها، ما زالت تنبض، ولو في مكانٍ آخر، بعيد، لا يصل إليه أحد.
وربما، يومًا ما،
سيأتي شخصٌ ما… يشبهني، ويقف أمامه كما وقفت…
ويضع يده على الغطاء ... ويفهم. دون أن يفتح شيئًا.
كان يمكنني أن أفتحه.. أن أقرأ تلك الرسائل واحدةً تلو الأخرى، أن أرتّبها حسب التواريخ، أن أبحث عن نهايات لأحزان لم تكتمل…
لكنني لم أفعل.
لأنني أدركت — أخيرًا — أن بعض الرسائل خُلقت لتبقى حيث كُتبت…في العتمة، في العُزلة، في ذلك الفراغ بين القلب والورق. لم تكن الكلمات تنتظر قارئًا، بل كانت تنتظر من يشعر بها، من يربّت عليها بصمت،
ويهمس لها: "أنا أفهمك… ولو لم أعرفك."
ولأنني شعرت بكل هذا، تركت الصندوق كما هو…كأنه قبرٌ صغير للحب المؤجَّل، للحياة التي لم تحدث، للمشاعر التي عاشت داخل قلوبٍ خائفة، ومضت… دون صوت.
في تلك اللحظة، عرفت أنني مثلهم… أحمل في داخلي صندوقًا آخر، لا يُرى، لا يُفتح، لكنه ممتلئ… بما لم يُقَل.
وغادرت الغرفة…
والصندوق بقي هناك، صامتًا، مغلقًا، يحرس أسراره كما يليق بالعشّاق الطيّبين الذين لم يُمنحوا فرصة واحدة للكلام…
وما زال — حتى اللحظة —
ينتظر قارئًا لا يأتي.
التعليقات الأخيرة