add image adstop
News photo

البرلمان المصري في مفترق الطرق

 

 

بقلم د/سماح عزازي 

 

 البرلمان المصري… منبض الإرادة الشعبية ومحرّك الدولة

في قلب المشهد السياسي المصري، يقف البرلمان لا كمجرد مبنى تشريعي، بل ككيان تاريخي راسخ، تتقاطع عنده خطوط السلطة والإرادة الشعبية، وتُعاد فيه صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم. فالبرلمان المصري، منذ ولادة أول مؤسسة نيابية تحت مسمى "مجلس شورى النواب" عام 1866، لم يكن يومًا كيانًا جامدًا، بل ظل مرآة متغيرة تعكس ملامح كل مرحلة سياسية تمر بها الدولة المصرية، من الاستعمار إلى الاستقلال، ومن الملكية إلى الجمهورية، ومن الأحادية إلى التعددية، ومن الثورة إلى الإصلاح.

 

إن البرلمان، في جوهره، ليس فقط سلطة تشريعية تُسنّ القوانين وتُقرّ الميزانيات، بل هو المنبر الذي يجب أن يُجسّد صوت المواطن، والحصن الذي تُراقب من خلاله الحكومة، والساحة التي تتصارع فيها الأفكار من أجل الوصول إلى سياسات عامة أكثر عدالة وواقعية. وفي ظل جمهورية جديدة، تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية متشابكة، فإن دور البرلمان لم يعد ترفًا ديمقراطيًا، بل أصبح ضرورة وجودية لحماية الدولة من التغوّل التنفيذي، ولبثّ الروح في الحياة السياسية التي تئن من وطأة الاحتكار والجمود.

 

فبرلمان قوي يعني وطنًا يسمع فيه صوت المواطن لا صدى السلطة. وبرلمان حيّ يعني دولة تعترف بأن شرعيتها تبدأ من إرادة الشعب، لا من مقاعد التعيين أو تحالفات المال والنفوذ. وإن كان البرلمان اليوم هو انعكاس لاختيارات الناخبين، فإنه في الوقت ذاته فرصة متجددة لصناعة وعيٍ سياسي ناضج، يفرز نوابًا على قدر المرحلة، لا على مقاس المصالح الضيقة أو المظاهر المخادعة.

 

أولًا: المواطن واختيار النائب… من التمثيل إلى المسؤولية

في الأنظمة الديمقراطية، لا يُقاس وعي الشعوب بعدد الصناديق، بل بمستوى إدراكها لمن تضعهم داخل تلك الصناديق. فصوت الناخب ليس بطاقة هوية للنائب، بل تفويض خطير بالقرار، والتشريع، والرقابة. وفي مصر، لا تزال عملية اختيار النائب في كثير من الدوائر محكومة باعتبارات غير سياسية: العصبيات القبلية، الوعود الخدمية، المال السياسي، والشهرة الزائفة. وبينما يُنتخب النائب لخدمة الوطن تحت قبة البرلمان، يُختار في الواقع أحيانًا لخدمة "الدائرة" في حفلات المصالح الشخصية.

 

لكن المواطن، في هذا المشهد، ليس ضحية فحسب، بل هو فاعل مسؤول. فحين يُمنح الاختيار، عليه أن يرتقي به إلى مستوى الوطن، لا أن يهدره على مذبح الانتماءات الضيقة. النائب الحقيقي لا يُختار لأنه قريب أو غني أو صاحب لافتة كبيرة، بل لأنه صاحب رؤية، وظهره مغطى بسيرةٍ نظيفة لا بكتف نافذٍ في الدولة أو الحزب.

 

ثانيًا: من هو النائب الذي نحتاجه؟ معايير الكفاءة والضمير

نائب البرلمان ليس خيال مآتة يملأ كرسيًا في قاعة تشريعية، بل هو عقل فاعل ولسان مبين، يُفترض أن يعبّر عن الناس ويجابه السلطة عند الخطأ. النائب الكفء في مصر 2025 لا يجب أن يكون "صوتًا عاليًا" في الجلسات فقط، بل عقلًا واعيًا بملفات الوطن، مُلمًا بتشريعاته، قارئًا لأرقامه، نزيهًا في مواقفه.

 

ومن المعايير الجوهرية:

الاستقلالية الفكرية والسياسية، لا أن يكون تابعًا لمركز قوى.

 

القدرة على التشريع والرقابة بوعي قانوني ودستوري.

 

الجرأة الأخلاقية في مواجهة الفساد لا المجاملة.

 

التواصل المستمر مع المواطنين، لا الظهور الموسمي في الحملات الانتخابية.

 

ثالثًا: الأداء التشريعي والرقابي… بين الدور والتقصير

البرلمان المصري، وفقًا للدستور، سلطة تشريعية رقابية. لكنه – في واقع الأمر – شهد خلال العقود الماضية اختلالًا واضحًا في هذا التوازن؛ حيث طغت الوظيفة التشريعية – أحيانًا – على حساب الرقابية، أو تحولت الرقابة إلى صمت مريب يُفسَّر على أنه "تواطؤ نيابي".

 

أداء البرلمان يجب أن يُقاس لا بعدد القوانين التي أُقرّت، بل بمدى عدالتها ومردودها على المواطن. ويجب أن يُقاس لا بعدد الاستجوابات، بل بمدى جديّتها واستقلالها عن أي توجيه. في غياب رقابة حقيقية، تتحول الحكومة إلى كيان فوق المساءلة، وتتحول التشريعات إلى سيف مسلط على رقاب الناس، لا مظلة تحمي حقوقهم.

 

رابعًا: بين النصوص والواقع… الفجوة الخطيرة

في الدستور، يُنص على أن البرلمان هو ممثل الشعب، وسيد قراره، ورافع لواء الرقابة والتشريع. لكن في الواقع، يُتهم البرلمان – أحيانًا – بأنه غرفة صدى لقرارات السلطة التنفيذية، أو أنه عاجز عن فتح ملفات الفساد الحقيقية. هذه الفجوة بين النص والواقع تُضعف ثقة الناس في البرلمان، وتُكرّس شعورًا عامًا بأن "لا فرق بين نائب منتخب وآخر مُعيَّن بالوصاية".

 

سدّ هذه الفجوة لا يكون إلا بتحقيق ثلاثة أمور:

إعادة الاعتبار لدور البرلمان كمؤسسة لا تُدار من الخارج.

 

تطهير القوائم الانتخابية من رموز الفساد والمال السياسي.

 

رفع وعي المواطن بأن النائب ليس مجرد "واسطة خدمات"، بل مشرّع ورقيب باسم الأمة.

 

خامسًا: دور البرلمان في الأزمات الكبرى… بين الغياب والموقف

في لحظات المصير، لا تُقاس فاعلية البرلمانات بعدد الجلسات ولا بزخرف الكلمات، بل بمواقفها الجريئة في أحلك الظروف. والبرلمان المصري، عبر تاريخه الطويل، واجه محنًا جسامًا، ظهر فيها أحيانًا بوجه مشرّف، وغاب في أحيان أخرى عن مسرح الحدث، إما بالتهميش، أو بالتماهي مع السلطة.

 

ففي أعقاب نكسة يونيو 1967، كان البرلمان المصري في موقف بالغ الحرج، إذ لم يمارس دوره الرقابي بقوة تُوازي حجم الكارثة، لكن مع حرب أكتوبر عاد إلى الساحة بدور محدود. وفي حقبة الثمانينات والتسعينات، لم يحمِ البرلمان الطبقات الفقيرة من آثار الخصخصة والانفتاح، بل مرّر سياسات موجعة. أما في ثورة 25 يناير، فقد كان البرلمان غائبًا، وكان غيابه أحد أسباب الانفجار. وحتى في أزمة كورونا، اكتفى بدور "المُصادِق" لا المُحاسِب.

 

وها نحن اليوم أمام أزمات وجودية اقتصادية وسياسية، إما أن يصحو فيها البرلمان كمؤسسة وطنية مسؤولة، أو يظل أسير مقاعد تُدار من خارج القبة.

 

سادسًا: توصيات لتعزيز دور البرلمان في الأزمات

1. تفعيل آليات الرقابة النيابية وقت الأزمات، من خلال لجان تقصّي الحقائق، واستدعاء الوزراء، والمكاشفة العلنية.

 

2. استباق الأزمة بالتشريع، عبر قوانين تُدير الكوارث وتحمي الحقوق.

3. تأهيل النواب لإدارة الأزمات بمناهج علمية ومراكز تدريب.

4. تمكين اللجان النوعية وخاصة الأمن القومي، والاقتصاد، والصحة.

5. إلزام الحكومة بتقارير دورية أمام البرلمان في أوقات الأزمات.

 

6. الانفتاح على مؤسسات المجتمع والخبراء لإثراء القرار النيابي.

7. ضمان استقلال البرلمان في الموقف والخطاب.

 

سابعًا: المحطات الدستورية الكبرى التي رسمت ملامح البرلمان المصري

 

1. 1866: تأسيس مجلس شورى النواب في عهد الخديوي إسماعيل، أول تجربة نيابية حقيقية.

 

2. 1882: الاحتلال البريطاني وتعطيل المسار النيابي.

 

3. 1923: أول دستور ليبرالي بعد ثورة 1919، وإنشاء مجلسي النواب والشيوخ.

 

4. 1956: دستور الجمهورية الأولى وإنشاء مجلس الأمة.

 

5. 1971: دستور الجمهورية الثانية (عهد السادات)، وعودة التعددية تدريجيًا.

 

6. 2012: دستور ما بعد ثورة يناير.

 

7. 2014: دستور الجمهورية الثالثة، وإعادة تشكيل الحياة النيابية بصيغة جديدة.

 

ثامنًا: نوّاب من ذهب… نماذج مشرّفة من الذاكرة البرلمانية

من سعد زغلول، ومحمد فريد، إلى عبد الرحمن الرافعي وفؤاد سراج الدين، كانت القاعة تعجّ يومًا برجال لا يُشترون، ونواب لا يُساومون. أولئك كانوا فخر النيابة ومشاعل طريق لأجيال لاحقة، أدركت أن المقعد النيابي أمانة لا مصلحة، ومنبر للناس لا منصة للشهرة.

 

تاسعًا: توصيات للمواطن والمشرّع معًا

للمواطن:

لا تبيع صوتك… بل اجعله سلاحًا للتغيير.

 

اختر من يُشبه الوطن في همه… لا من يُشبه الدائرة في عصبها.

 

راقب… شارك… اسأل… ولا تصمت.

 

للنائب:

أنت نائب عن أمة لا عن عائلة.

 

التشريع مسؤولية والرقابة أمانة.

 

لا تكن تابعًا، بل صاحب موقف.

 

احفظ الدستور، وصن القسم.

 

 الوطن لا يُبنى بالصمت… والبرلمان لا يُصلح إن غاب ضمير الأمة

البرلمان المصري اليوم يقف في مفترق طرق: إما أن ينهض من بين الركام ليؤسس لعهد تشريعي جديد يليق بالجمهورية، أو أن يبقى حبيسَ الدوران في فلك السلطة، والمشهد السياسي الهش. وليس أمام المواطن إلا أن يدرك أن النائب صنيعة صوته، وأن الأمة لا تَنتصر بنوابٍ يُصفّقون، بل تُكتب كرامتها في جلسة صاخبة، أو استجواب نزيه، أو قانون عادل.

 

فإن أردنا برلمانًا يُشبه آمال المصريين، فلنصنعه بأيدينا… صوتًا واعيًا، واختيارًا نزيهًا، وموقفًا لا يُشترى ولا يُباع.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى