بقلم د/سماح عزازي
مقال نقدي تحليلي عن فيلم "قاهر الزمن" (1987)،
يتناول البناء الدرامي، والمعالجة السينمائية، والرمزية، والقيمة الفكرية للفيلم
عندما قرر المخرج الكبير كمال الشيخ أن يخوض مغامرة إخراج فيلم "قاهر الزمن" عام 1987، لم يكن يدرك حينها أنه يكتب سطورًا في دفتر السينما المصرية لم تُقرأ جيدًا في زمنها. فيلم خيال علمي نادر، وربما استثنائي، في بيئة سينمائية اعتادت في تلك الفترة على الانشغال بالدراما الاجتماعية والواقعية المباشرة.
يُعد الفيلم محاولة سينمائية جريئة لاستشراف حدود العلم، والسؤال الأزلي الذي طالما أرّق الفلاسفة والعلماء: هل يمكن للإنسان أن يهزم الزمن؟
الفكرة... بين العلم والفلسفة
الفيلم ينطلق من سؤال وجودي محض: ماذا لو أمكن تجميد الجسد البشري في حالة توقف كاملة، دون أن تفقد خلاياه حيويتها؟ هل يمكننا أن نهرب من قبضة الزمن؟ وهل للإنسان الحق في التدخل في قوانين الطبيعة؟
هذا السؤال ليس جديدًا على الفكر البشري. فالفراعنة سعوا إلى تخليد الجسد بالتحنيط، وبنوا مراكب الشمس وكتبوا نصوص البعث، والحضارات جميعها طمحت لفك شفرة الموت. لكن الفيلم لم يكتفِ بطرح الفكرة في سياقها الميتافيزيقي، بل حملها إلى مختبر العلم، ووضعها تحت المجهر، عبر شخصية الدكتور حليم زغلول، الذي تحول فقدان زوجته إلى دافع لاختراق حدود المستحيل.
البناء الدرامي... معركة داخل النفس ومع المجتمع
الفيلم يوازن بين خطين دراميين متوازيين:
1. الخط العلمي الفلسفي: يمثله الدكتور حليم وتجربته مع التجميد، وهو خط عميق يمزج بين العلم والأخلاق والوجود.
2. الخط الصحفي الاستقصائي: يمثله الصحفيان كامل وفكري، وهو خط يحرك حبكة الفيلم من ناحية التشويق والإثارة، ويكشف الصراع بين العالم المنعزل والمجتمع الذي يرفض أن تُكسر قوانين الطبيعة.
البنية الدرامية تعتمد على التصعيد التدريجي، حيث تتحول التجربة العلمية شيئًا فشيئًا إلى أزمة أخلاقية، ثم إلى صراع وجودي. ما يبدأ كبحث علمي، ينتهي كصراع بين البقاء والضمير.
الشخصيات... رموز أكثر منها أفراد
كل شخصية في الفيلم تحمل بُعدًا رمزيًا يتجاوز وجودها كعنصر درامي:
الدكتور حليم زغلول (جميل راتب): يمثل صورة العالم الذي يتحول إلى إله صغير، يسعى إلى السيطرة على الزمن، مدفوعًا بألم الفقد، لكنه يقع في فخ التلاعب بالحياة والموت. إنه صورة درامية معاصرة لـ"فاوست" الذي باع روحه مقابل المعرفة.
عبد الهادي (حسين الشربيني): مثال على العالم الذي فقد بوصلته الأخلاقية، الفار من مساءلة المجتمع، الباحث عن الخلاص الشخصي في مختبر معزول عن القيم.
زين (آثار الحكيم): تمثل جسرًا هشًا بين الجيلين؛ جيل الأب المؤمن بالعلم كقوة مطلقة، والجيل الذي يتساءل عن حدود تلك القوة.
كامل إبراهيم (نور الشريف): هو الضمير الإنساني الذي يراقب، ويتساءل، ويبحث عن الحقيقة. اهتمامه بفكرة البعث عند الفراعنة يجعله أكثر استعدادًا لفهم فكرة التجميد، لكنه أيضًا أكثر وعيًا بمخاطر اللعب مع الزمن.
فكري السيد (خالد زكي): مثال للصحفي المتمرد، الذي يغامر بحياته بحثًا عن الحقيقة، لكنه يدفع ثمن فضوله.
التصوير والديكور... عزلة مع سبق الإصرار
أحد أقوى عناصر الفيلم هو اختيار المكان. صحراء حلوان ليست مجرد خلفية جغرافية، بل هي مرآة لعزلة الدكتور حليم النفسية والعلمية عن المجتمع. المشاهد الخارجية قليلة، والألوان باهتة، والإضاءة مائلة إلى البرودة، بما ينسجم مع فكرة التجميد ذاتها.
الديكور الداخلي للمعمل متقن إلى حد كبير بالنسبة لإمكانات السينما المصرية وقتها، حيث نجح في نقل إحساس المختبر كمكان خارج عن الزمن، وخارج عن القانون.
الموسيقى... صوت الفراغ والزمن
الموسيقى التصويرية في الفيلم تقوم بدور نفسي عميق. هي ليست مجرد خلفية، بل عنصر درامي مستقل، يضخم إحساس البرودة، العزلة، والرعب الكامن في فكرة توقف الزمن. كان يمكن توظيف الموسيقى بشكل أكثر تكثيفًا في بعض المشاهد، لكنها تظل داعمًا قويًا للحالة العامة للفيلم.
الرؤية الإخراجية... بين الجسارة والقيود
كمال الشيخ، الذي أبدع سابقًا في أفلام الإثارة والغموض، نجح هنا في الإمساك بخيوط معقدة تجمع بين الخيال العلمي والفلسفة والتشويق.
لكن لا يمكن إغفال أن الفيلم كان ضحية لعدة قيود:
تقنية: ضعف المؤثرات البصرية مقارنة بالأفلام الأجنبية المماثلة.
ثقافية: جمهور لم يكن مستعدًا لفكرة التجميد الحيوي.
إنتاجية: ميزانية محدودة قيّدت الطموح البصري للفيلم.
ومع ذلك، فقد قدم الشيخ رؤية بصرية عميقة قائمة على الأداء، التصعيد الدرامي، وإدارة المشهد أكثر من الاعتماد على المؤثرات.
نقد الفكرة... جريمة أم عبقرية؟
الفيلم لا يقدم إجابة نهائية؛ هل التجميد جريمة أخلاقية؟ أم اختراق عبقري للحدود؟ هل التدخل في إيقاف الجسد دون الروح احترام لقوانين الطبيعة أم انتهاك لها؟
بينما يقف الدكتور حليم خلف قناع العلم، يطرح الفيلم سؤالًا أكثر خطورة: هل العلم وحده يكفي؟ أم أن غياب الأخلاق يحول العلماء إلى مجرمين بثوب أنيق؟
قيمة الفيلم اليوم... قراءة بأثر رجعي
ما كان في الثمانينات حلمًا، أصبح اليوم جزءًا من واقع تجارب "التجميد الحيوي" في الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا. هناك اليوم شركات تقدم خدمات تجميد الأجساد والعقول، انتظارًا لمستقبل ربما يحمل علاجًا للشيخوخة، أو حتى للموت.
"قاهر الزمن" سبق عصره، لكنه لم يجد جمهوره حينها. وربما لو أُعيد إنتاجه اليوم، مع تحديث أدواته البصرية والدرامية، لأصبح عملًا عالميًا يناقش قضايا الذكاء الاصطناعي، البيولوجيا الرقمية، والحدود المقبلة للإنسان في معركته مع الموت.
السينما حين تتحول إلى مرآة المستقبل
"قاهر الزمن" ليس مجرد فيلم؛ إنه سؤال معلق في الهواء، عن حدود الحلم الإنساني، وعن خط التماس بين المعرفة والغرور. فيلم يقول لنا، ببساطة وصدق: نحن نعيش معركة خفية مع الزمن... وكل محاولة لفهمه، أو قهره، قد تكون أجمل انتصاراتنا، أو أخطر هزائمنا.
التعليقات الأخيرة