add image adstop
News photo

إيران... حين تتحدث الأرض بلغة الآريين وتخاطب السماء بأصوات علمائها

 

 

بقلم د/سماح عزازي

 

 حين تنطق الجغرافيا بأسرار التاريخ... وتخاطب الحضارة ذاكرة الزمن

في جغرافيا هذا الكوكب، هناك بلاد تنحت مجدها من ترابها، وهناك أخرى تستمد وجودها من معاركها، لكن قلّة فقط هي التي تسير على عرش الزمن، لأن التاريخ نفسه خُلق فيها ومنها. وإيران... ليست مجرد اسم يُكتب على الخرائط، ولا محض حدود تفصلها الجبال والصحارى والأنهار، بل هي مسرح دائم لصراع الإنسان مع الفناء، ولحوار الحضارات مع الزمن.

 

منذ أن دبّت أقدام الآريين على هضبتها قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، تشكّلت هذه الأرض كجسر حضاري بين الشرق والغرب. ليست إيران ابنة اللحظة الحديثة، بل هي وريثة إمبراطوريات تعاقبت مثل أمواج لا تنكسر؛ من الإمبراطورية الإخمينية التي علّمت العالم فنّ الإدارة والحقوق والعدل في القرن السادس قبل الميلاد، إلى الساسانيين الذين ملأوا الدنيا حضارة وفلسفة وفنونًا، إلى زمن المجد الإسلامي الذي ولّد نخبة من أعظم عقول البشرية.

 

في حضنها وُلدت الأساطير، ومن ترابها نبتت الحضارات. هنا عرفت الإنسانية أولى محاولاتها لتنظيم الحياة بالقانون والدستور؛ فحين خطّ كورش الكبير أسطوانة حقوق الإنسان قبل ألفين وخمسمئة عام، لم تكن البشرية قد عرفت بعد الفرق بين العدل والقوة. وهنا أيضًا، استيقظ العقل ليترجم الكون إلى معادلات، فظهر ابن سينا والرازي والخوارزمي ليقدّموا للإنسانية مفاتيح العقل والدواء، وخرائط الأرقام.

 

إيران... أو كما سماها الأجداد "إريانا" – أرض الآريين... ليست مجرد وطن، بل أسطورة زمنية صاغتها اللغات القديمة، ونفخت فيها الأرواح العريقة من عبق زرادشت، إلى حكمة السهروردي، وحتى حبّ الرومي وحنين الفردوسي.

 

إنها حكاية اسم يتجاوز حدوده الجغرافية؛ حكاية وطن إذا نطق، تحدث بلغة التاريخ، وإذا مشى، سار على دروب الفلاسفة، وإذا حلم، حلم بأجنحة العلم.

 

في عالم تتقاطع فيه الجغرافيا مع التاريخ، وتصوغ فيه الحضارات هويّتها من تراكم السنين، تطلّ علينا إيران... تلك الأرض التي لم تكن يومًا مجرد حدود مرسومة على الخريطة، بل كانت وما زالت مسرحًا لحضارة ضاربة بجذورها في أعماق الزمن، ومشتلًا لعقول أضاءت بنورها ظلمات العصور.

 

الاسم... حكاية وطن وهوية

لستَ أمام اسمٍ عابر حين تنطق "إيران"، بل أمام مرآة تعكس أعماق التاريخ. إن أصل التسمية يعود إلى الكلمة الأفستية القديمة "إريانا" (Airyanām)، ومعناها "أرض الآريين"، أي أرض النبلاء والأحرار. الآريون، وهم الشعوب الهندو-أوروبية، نزحوا إلى الهضبة الإيرانية قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، فتركوا أثرهم العرقي والثقافي واللغوي الذي لا يزال حيًا حتى اليوم.

 

في مدونات الإغريق، عُرفت هذه البلاد باسم "بارس" (Persis)، نسبة إلى إقليم فارس الواقع جنوب غرب البلاد، وهو الاسم الذي انتقل لاحقًا إلى اللغات الغربية على هيئة "Persia"، وظل شائعًا حتى القرن العشرين.

 

لكن، في قلب الأدب الفارسي، ظل اسم "إيران" يتردد منذ قرون، يخلّده شاعر الملحمة الفردوسي في سفره الخالد "الشاهنامه"، وتهتف به قصائد العشق والبطولة، باعتباره رمزًا للهوية والانتماء.

 

وفي عام 1935م، خطا رضا شاه بهلوي خطوة مفصلية حين أصدر قرارًا رسميًا يدعو الدول الأجنبية إلى اعتماد اسم "إيران" بدلًا من "فارس" في جميع المراسلات والمعاهدات، في محاولة لإحياء الجذور العرقية والتاريخية، وتأكيد الهوية الوطنية الحديثة.

 

أرض العلماء... حيث تتكلم الحضارة بلغات متعددة

لم تكن إيران يومًا مجرد موطن للملوك والأباطرة، بل كانت على الدوام حضنًا دافئًا للعلماء والفلاسفة والمفكرين، ممن خطّوا بأقلامهم وأفكارهم مجرى التاريخ البشري. ومن بين آلاف الأسماء التي زخرت بها المكتبة الإنسانية، تتلألأ عشرة أسماء فارسية حفرت مجدها في سجلات العلم والحكمة.

 

 ابن سينا (980–1037م) – الشيخ الرئيس

فيلسوف الأطباء، وطبيب الفلاسفة، وواحد من أعمدة العلم الإسلامي والإنساني. وضع موسوعته الطبية الخالدة "القانون في الطب"، والتي ظلت المرجع الأول في جامعات أوروبا حتى القرن السابع عشر. تجاوز ابن سينا حدود الطب ليبدع في الفلسفة والمنطق والفلك والرياضيات، مجسدًا صورة العالم الموسوعي.

 

 الرازي (865–925م) – حكيم الطب والكيمياء

أبو بكر محمد بن زكريا الرازي، أحد أعمدة الطب الإسلامي، والرائد في علم الكيمياء التجريبية. كان أول من فرّق بدقة بين الجدري والحصبة، وله مؤلفات ضخمة أهمها "الحاوي"، الذي يُعد أكبر موسوعة طبية في عصره، تُدرّس على مدى قرون.

 

الخوارزمي (780–850م) – أبو الجبر والخوارزميات

محمد بن موسى الخوارزمي، عالم الرياضيات والفلك والجغرافيا، الذي أسّس علم "الجبر" وابتكر مفاهيم "الخوارزميات" التي تُشكّل أساس الحوسبة والبرمجة الحديثة. كتابه العظيم "الكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة" غيّر وجه الرياضيات في العالم بأسره.

 

 عمر الخيام (1048–1131م) – شاعر الرياضيات والحكمة

ليس شاعرًا وحسب، بل عبقريًا في علوم الرياضيات والفلك. وضع تقويمًا شمسيًا يفوق في دقته التقويم الميلادي الغريغوري. أما في الأدب، فخلّد اسمه عبر رباعياته التي غاصت في فلسفة الوجود والحياة، لتصبح رمزًا عالميًا للحكمة والتأمل.

 

 نصير الدين الطوسي (1201–1274م) –

 مهندس الفلك والعقل

أنشأ مرصد مراغة الشهير، الذي كان أعجوبة علمية في عصره، وأسهم في تطوير علوم الفلك والهندسة والرياضيات والمنطق. عُدّ أحد أهم الفلاسفة المسلمين في القرن الثالث عشر.

 

 جابر بن حيان (721–815م) – أبو الكيمياء

رغم الجدل حول أصوله، إلا أن العديد من المصادر الفارسية تشير إلى انتمائه لهذه الأرض. أسّس منهج الكيمياء التجريبية، وابتكر العديد من الأحماض والمركّبات الكيميائية، منها "ماء الملكي"، وهو خليط قادر على إذابة الذهب. لا تزال مؤلفاته تُدرّس في مختبرات العالم.

 

 الفارابي (870–950م) – المعلم الثاني

فيلسوف الفلاسفة في الحضارة الإسلامية، لُقّب بـ"المعلم الثاني" بعد أرسطو. رغم أن أصوله محل خلاف، فإن تأثيره في المدرسة الفلسفية الفارسية لا يمكن إنكاره. وضع نظريات متقدمة في المنطق والسياسة والاجتماع والموسيقى.

 

 السهروردي (1154–1191م) –

 شهيد النور والحكمة الإشراقية

مؤسس مدرسة الحكمة الإشراقية، التي جمعت بين الفلسفة العقلية والعرفان الصوفي. كان ضحية لصدام الأفكار، حيث أُعدم بسبب جرأته الفكرية في حلب. ترك أثرًا لا يُمحى في الفلسفة الإسلامية والروحانية الشرقية.

 

 الفردوسي (940–1020م) – حارس اللغة الفارسية

شاعر الملحمة الأكبر، ومؤلف "الشاهنامه"، الكتاب الذي أنقذ اللغة الفارسية من الاندثار في زمن المدّ العربي. بنى من أبياته قلعة من المجد تُناطح الزمن، وتروي حكايات الأبطال والأساطير الفارسية.

 

 جلال الدين الرومي (1207–1273م) – شاعر الحب الإلهي

صوفي وفيلسوف عالمي، صوّر رحلته الروحية في ديوانه الشهير "المثنوي المعنوي"، الذي يُعد من أعظم ما كُتب في التصوف والفكر الإنساني. لا تزال أشعاره تُترجم إلى عشرات اللغات، وتُقرأ بشغف في الشرق والغرب.

 

 حين يتحدث المجد

إن الحديث عن إيران ليس مجرد استعراض لتاريخٍ مضى، بل هو قراءة متجددة لفصول من المجد والحضارة والعلم. إنها الأرض التي رفدت الإنسانية بعقول تُنير، وأيادٍ تبني، وأقلام تكتب على جدران الخلود.

 

إيران... ليست مجرد اسمٍ في دفتر الجغرافيا، بل هي حكاية أمةٍ صاغت لنفسها هوية تنبض بالحياة، حيث تتلاقى جذور الآريين مع أجنحة الفلسفة والعلم، وحيث يصبح التاريخ مرآة للمستقبل.

 

 حين يتكلم التراب بلغة الخلود

وإذا كان هناك في التاريخ أوطان وُجدت لتكون مسارح للغزاة، وأخرى مساحات للعبور والرحيل... فإن إيران من ذلك الطراز النادر الذي وُجد ليكون مختبرًا دائمًا لصناعة الحضارة. إن التقاء العرق الآري مع الفكر الإسلامي، وامتزاج الموروث الزرادشتي مع علوم العرب، صنع في هذه البقعة من العالم فسيفساء فكرية لا مثيل لها.

 

إنها الأرض التي لم تُقِم حدودها على أسوار الجغرافيا فقط، بل بنت جدرانها من كتب الطب والكيمياء والجبر والفلك والشعر والتصوف. بلادٌ قد تسقط فيها الممالك، وتتبدّل الأنظمة، وتتعاقب الأديان، لكن تظل فيها نار الفكر مشتعلة لا تنطفئ، مهما تلاعبت بها رياح السياسة.

 

في كل بيت إيراني، وفي كل شارع، وفي كل مكتبة، تجد ظلًا لعالم، أو صدى لفيلسوف، أو وشوشة لشاعر كان بالأمس يترجم الحُبّ إلى علم، أو يحوّل المعادلات إلى موسيقى، أو ينسج من فلسفة الوجود بيتًا شعريًا يتردد صداه في أرجاء الكون.

 

إيران... ليست أرضًا تنتهي عند حدودها الجغرافية، بل فكرة مستمرة، وحضارة لا تقبل الموت، وتاريخًا يرفض أن يكون مجرد صفحة في كتاب، بل كتابًا مفتوحًا تُقرأ صفحاته كل يوم، وتُعاد كتابته مع كل جيل جديد.

 

ومن هنا، حين تنطق إيران باسمها، فهي لا تنطق بلغة العصر الحديث، بل بلغة الآريين، وبأصوات أبنائها من الخوارزمي إلى ابن سينا، ومن الرازي إلى الرومي... لأن هذه الأرض، ببساطة، خُلقت لتبقى.

 

المراجعوالمصادر 

الموسوعة البريطانية (Encyclopedia Britannica) – مدخل Iran

 

دائرة المعارف الإسلامية

 

كتاب "تاريخ الحضارة الإسلامية" للدكتور آدم متز

 

كتاب "العلوم عند العرب" للدكتور أحمد فؤاد باشا

 

موقع "History Today" – مقال: How Persia Became Iran

 

موقع UNESCO – مقالات حول أثر العلماء المسلمين.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى