add image adstop
News photo

"30 طلقة.. وحارس الشهداء" قصة البطل الذي لم يعرفه أحد.. علي علي

 

 

 بقلم د/سماح عزازي

 

 حين يكون المجد اسمًا لإنسان

في بلاد تصنع الرجال من رحم الألم، وتُخرج من بين أزقتها الطين رجالًا من ذهب، لا تعجب حين تجد بطلًا اسمه مجهول، لكنه في السماء مكتوب، وفي ذاكرة الوطن خالد.

 

في كل حرب هناك أسماء تلمع، وهناك أسماء تختبئ تحت الركام... لا لأنهم أقل بطولة، بل لأن المجد أحيانًا يكون عابرًا في نشرات الأخبار، غافلًا عن عظماء كتبوا تاريخهم بالدم لا بالحبر.

 

هناك، في أقصى الأرض... في صحراء سيناء... في قلب الجحيم المسمى "موقعة البرث"، وقف شاب لا يحمل في جيبه إلا فتات حلم... شاب لم يكن يومًا بطلًا في أعين الإعلام، ولا صوّرته عدسات المصورين... لكنه كان بطلًا في كتاب الخلود، في دفتر السماء، وفي سجل الشهداء.

 

"علي علي"... اسم بسيط... لشاب بسيط... من حي الجمالية العريق، حيث الطين والحجارة تعلمك أن الرجولة ليست مالًا ولا جاهًا، بل موقف حين تناديك الأرض:

"قف... فالوطن يحتاج قلبك لا كلامك."

 

كان يصنع إسطمبات من الجبس ليبيعها على الأرصفة... طفل الأمس، الذي لا يحمل من الدنيا سوى يدين متشققتين وقلب نظيف، وجد نفسه فجأة في قلب معركة لا تشبه شيئًا مما عرفه في الحياة... معركة بين النور والظلام، بين الموت والحياة.

 

وفي اللحظة التي تسقط فيها الأجساد، وتذوب الدماء في الرمال، وفي اللحظة التي ينكسر فيها صوت الرصاص من شدة القصف... وقف علي... لم يسأل عن نفسه... لم يسأل عن نجاة... بل كان سؤاله الوحيد:

"مين باقي؟... ومين محتاج يحميه؟"

 

وقف عند سلم الموت، حاملًا سلاحه، صارخًا في وجه الرعب:

"لن تمروا... إلا على جثتي."

 

وكانت جثته حقًا، هي السد الأخير بين وحشية الإرهاب وبين بقية الجنود الذين تنفسوا الحياة بفضل جسده الذي تحوّل إلى درع، وروحه التي تحوّلت إلى وطن.

 

في وطن لا ينكسر، هناك رجال لا ينحنون... رجال لا تُكتب أسماؤهم بالحبر، بل تُحفر بالدم على صخور المجد والخلود. قد لا تصادفهم في نشرات الأخبار، وقد لا تخلّدهم البرامج الوثائقية، لكن الأرض تعرفهم جيدًا... السماء تعرفهم... والرصاصة التي اخترقت أجسادهم تشهد أنهم كانوا سداً منيعاً بيننا وبين جحافل الظلام.

 

في سيناء... هناك من حملوا أكفانهم على ظهورهم، ووقفوا وجوهًا للقدر، ليقولوا له: لن تمر.

من بينهم، بطل اسمه "علي علي"... شاب بسيط من الجمالية، لم يتجاوز عمره عشرين عامًا. لم يكن يحمل في جيبه أكثر من ثمن إسطمبات الجبس التي كان يصنعها بيديه ليطعم أهله... لكن قلبه كان أثقل من الجبال... قلب محشو بالإيمان، بالإصرار، بالرجولة.

 

حارس الجنود... الذي صار جيشًا من رجل واحد

في موقعة البرث، حين سال الدم حتى اختلط برائحة التراب، وحين تهاوت أجساد الأبطال واحدًا تلو الآخر، وقف المجند البسيط علي علي في مكانه... عند مطلع السلم المؤدي إلى الطابق الثاني من المبنى، حيث يرقد الجرحى ومن بقي على قيد الحياة.

 

كان وحده... نعم وحده.

الكمين انهار بنسبة 70% من قوته البشرية، والجحيم يفترس المكان، لكن علي لم يهرب... لم يختبئ... لم يفكر حتى أن ينجو بنفسه.

 

كل من حاول الصعود للسلم، كان علي في انتظاره.

طلقة... طلقتان... ثلاث... حتى عشرات.

يسقط إرهابي، يصعد آخر... يسقط، فيصعد ثالث... وعلي لا يلين. جسده النحيل يثبت أمام سيل الموت، كأنه جبل من فولاذ.

 

حتى حين اخترقت الرصاصات جسده، وسقط على بطنه، لم يترك سلاحه. زحف بجراحه... واصل إطلاق النار، يدافع عن المصابين، يدافع عن الجثث الطاهرة لرفاقه، يدافع عن شرف لا يُباع ولا يُشترى.

 

آخر إرهابي حاول الصعود... كان علي ينزف، يلفظ أنفاسه... لكنه رفع سلاحه، وضغط الزناد. سقط العدو... وسقط هو بعدها مباشرة. استشهد علي وعليه 30 طلقة في جسده، لكنها لم توقف قلبه قبل أن يؤدي قسمه الأخير: "يا نموت.. يا تحيا مصر".

 

 لولا علي... لكانت المجزرة أبشع

شهادة حيّة رواها الضابط البطل ملازم أول عبدالعزيز محمد محسن، ضابط الحرب الإلكترونية، أحد الناجين من موقعة البرث وأحد المصابين الذين كان علي يحرسهم.

يقول الضابط: "لولا علي، كان الإرهابيون صعدوا للطابق الثاني، وأجهزوا علينا جميعًا، وذبحونا ومثّلوا بجثثنا، وحتى القائد منسي ما كان ليفلت من التمثيل بجثمانه... لكن علي كان سورًا من نار أمامهم."

 

 بطل في الظل... لم يذكره الإعلام

لم يكتب عنه أحد... لم تظهر صورته في التقارير... لم تُذكر حكاية بطولته إلا همسًا، في سطر وحيد من أغنية تقول:

"قالوا إيه علينا.. قالوا إيه.. علي علي من الشجعان"

لكن من يعرف علي؟ من سأل من هو علي علي؟ لم يفعل أحد.

 

واليوم، نكتب اسمه بحروف من نور، ونصرخ في وجه النسيان:

هنا كان رجل... اسمه علي علي.

هنا سقط جسد... لكن روحه صارت علمًا مرفوعًا على كل جدار، وفي قلب كل مصري حر.

 

يا من صرت أكبر من الموت...

يا علي... يا من أصبحت في لحظة واحدة، أكبر من الرصاص، وأكبر من الموت، وأكبر من الحكايات التي لا تكفيك.

 

يا من لم تنتظر وسامًا على صدرك، بل جعلت دمك هو الوسام، ورصاص العدو الذي اخترق جسدك هو الشاهد على أنك لم تكن رقمًا في دفاتر التجنيد، بل كنت وطنًا يمشي على قدمين.

 

ثلاثون طلقة مزقت جسدك، لكنها لم تمزق إرادتك... لم تسقطك إلا جسدًا، أما روحك فصعدت، عالية، ترفرف بين السماء والأرض، تخبر الجميع أن الجندية ليست رتبة، بل شرف مكتوب بالدم.

 

يا علي، حين ودّعت الحياة، لم تكن وحدك... كانت مصر كلها تحتضنك... كانت سيناء تبكيك وترفعك على أكتافها، تقول لك:

"يا من حميتني... يا من صرت حراسي حين غاب الحراس."

 

يا علي، لا تحزن إن لم يعرفك الإعلام، ولا تغضب إن لم تُذكر في نشرات الأخبار... فثلاثون طلقة قالت عنك أكثر مما يقول ألف مذيع، وطلقة أخيرة خرجت من سلاحك، قبل أن تغمض عينيك، كانت كافية لتكتب اسمك على جدار الزمن:

"هنا مر بطل... اسمه علي علي... حارس الشهداء."

 

سلام على جسدك الطاهر... وسلام على قلبك النبيل... وسلام عليك يوم ولدت، ويوم استشهدت، ويوم تبعث حيًّا في صفوف الصديقين والشهداء.

 

يا علي... لو تعلم كم دمعة نزلت لأجلك، وكم دعاء صعد باسمك، وكم قلب خفق فخرًا حين عرف حكايتك... لابتسمت، وأدركت أن موتك كان حياة لنا جميعًا.

 

سلامًا على روحك يا علي... سلامًا على جثمانك الذي اختلط بتراب البرث، ليصبح ترابك جزءًا من خريطة الوطن.

سلام على يدك التي تمسكت بالسلاح حتى آخر نبضة، وعلى قلبك الذي ظل يدق باسم مصر حتى آخر قطرة دم.

 

سلام عليك في الخالدين، يا من لم تهزمك ثلاثون رصاصة، ولم تنحنِ أمام الموت، بل جعلت الموت ينحني أمامك احترامًا.

 

نم هانئًا يا علي... فالوطن ما زال على العهد... 

وسيظل يحكي عنك، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

 

اللهم اجعل قبرك روضة من رياض الجنة، واجعل اسمك علمًا لا يسقط، واذكرنا عند ربك من الشافعين.

 

"وما النصر إلا صبر ساعة.. 

وقد صبر علي حتى صار هو النصر ذاته."

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى