add image adstop
News photo

رسائل لم تصل… وقلوب لم تنسَ مجموعة قصصية إنسانية من زمن لا يُكتب فيه الحب، بل يُشعر القصة الخامسة رائحة القهوة… كانت تشبهه

 

 

بقلم د/سماح عزازي

 

قصة عن غياب الأشخاص

 الذين تركوا في تفاصيل الأشياء بقايا من أرواحهم.

 

في كل بيتٍ، هناك تفاصيل لا يمحوها الزمن…

أشياء قد تبدو عادية للغرباء، لكنها للأحبة… أوطان صغيرة.

وفي بيتنا، لم تكن القهوة مجرد مشروب، ولم تكن رائحتها مجرّد عبور عابر في الصباحات الباهتة…

كانت ذاكرة.

كانت حضوره الذي لا يغيب، وصوته الذي لا ينطفئ، وملامحه التي تتسرّب بين خيوط البخار، كلما امتزج الماء بالبن، وكلما غلَت الحياة على نار هادئة.

 

لم نكن نعرف أن الأشياء تحتفظ بأصحابها…

حتى رحل، وبقيت القهوة شاهدة على أنه كان هنا.

أن وجوده لم يكن مجرّد جسد، بل أثر… أثر لا يُمحى، مهما طال الغياب، ومهما تغيّر الزمن.

 

اليوم، كلما صعدت رائحة القهوة من المطبخ،

كان القلب يرتجف،

كأن البخار يحمل رسالة سرية مكتوبة بالحبر الذي لا يراه أحد:

 

"أنا لم أغب… أنا فقط صرت رائحة… تسكن المكان الذي أحببتُه، وأحببتُكم فيه."

 

لم يكن الغياب خبراً يأتي فجأة…

بل كان شيئًا يتسرّب ببطء.

يبدأ من ركن خالٍ على الطاولة…

من فنجان لم يُملأ ذلك الصباح…

من رائحة قهوة لم يعد أحد يصنعها بالطريقة ذاتها.

 

كان يحبّ القهوة بطريقته الخاصة…

يُضيف لها القليل من الهيل، ويرفع الغلاية عن النار قبل أن تغلي بقليل،

كأنه يعرف أن الأشياء الجميلة، إن طال وقتها… تفقد طعمها.

صوته حين ينادي من المطبخ:

"هاتِ الفنجان… القهوة خلصت."

كان جزءًا من صباحات البيت، تمامًا كأشعة الشمس التي تزحف عبر النافذة.

 

ثم، فجأة…

غاب صوته.

وغابت يده التي كانت تحرّك الملعقة في الفنجان.

غابت ضحكته التي كانت تفوح مع البخار.

لكن الشيء الوحيد الذي لم يغِب…

كان رائحة القهوة.

 

رائحة تُشبهه…

تدور في أرجاء البيت، تملأ الصباحات، تسرقنا إلى زمنٍ لم نكن نعرف حينها أنه الأجمل… حتى صار ماضياً.

 

أحيانًا كنت أضع الماء على النار، وأُضيف البن والهيل،

لا لأشرب…

بل لأستدعيه.

لأخبره — بطريقتي — أن الحضور لا يعني الجسد،

وأن الحب… يسكن في الأشياء الصغيرة التي تركها خلفه.

 

كل رشفة قهوة… كانت حكاية.

وكل بخار يصعد من الفنجان… كان يشبهه.

 

ما زلتُ، حتى اليوم، حين تتسلل رائحة القهوة في الصباح…

ألتفت دون وعيٍ نحو المطبخ،

كأنني أتوقّع أن أراه هناك، واقفًا، مبتسمًا، بيده الغلاية، وعينيه تقولان ما لم تستطع الكلمات أن تقوله يومًا.

 

وحين لا أجده…

أبتسم…

وأهمس لفنجاني:

 

"ما غِبت…أنت فقط صرتَ رائحة قهوة…تدفئ القلب كل صباح."

 

أدركت متأخرة أن بعض الروائح ليست عابرة…

ليست مجرد بخار يصعد، ثم يتلاشى.

بل ذاكرة… نافذة مفتوحة على زمنٍ لا يعود.

 

رائحة قهوته، كانت شيئًا يتجاوز المذاق.

كانت مثل حضنه الذي لم يعد، وصوته الذي صار همسًا في الذاكرة، ويديه اللتين غابتا عن الطاولة… لكنها ما زالت ترتّب القلب من الداخل، كأنها تقول لي في صمت:

 

 "أنا هنا… ما زلتُ هنا، حتى لو لم تريني."

 

كنت أظن أن الوقت يُشفي…

لكنه كان يكذب عليّ بلطف، يشغلني بأيام تمرّ، لكن 

حين تفوح القهوة، يتعرّى كل شيء…

تسقط أقنعة القوة، تنهار جدران التماسك،

وأجد نفسي — دون مقاومة — أعود إليه.

إلى صوته، إلى ضحكته، إلى طريقة قلبه وهو يحرك الملعقة ببطء، كأنه لا يحرّك قهوة… بل يحرّك العمر كله في فنجان صغير.

 

تلك الرائحة…

ليست قهوة.

إنها ذاكرة،

إنها حضن،

إنها رسالة خفية… من الغائب إلى قلبٍ لم يعرف يومًا كيف ينسى.

 

لم تكن القهوة مجرّد طقس صباحي…

كانت تعويذة حبّ، كانت صلة وصل بيني وبينه، حتى بعدما صار الغياب سيد المكان.

كل مرة كانت تفوح فيها الرائحة، كنت أشعر أن ذاكرتي تنهض من تحت الرماد، ترتّب نفسها، تعيد لملامحه ملامحها، لصوته صدى، لضحكته ظلًّا لا يغادرني.

 

كنت أظن أن الذاكرة تخون مع الزمن، لكنني اكتشفت أن بعض الذكريات أقوى من الفناء…

أقوى من الموت، أقوى من المسافات، أقوى من كل محاولات النسيان العقيمة.

 

هناك شيء في بخار القهوة… كأنه يحمل ملامحه.

في طريق تصاعده، أراه يرتسم للحظات…

ثم يتلاشى كما يتلاشى كل من نحبّ،

لكنهم لا يتلاشون تمامًا، لا حقًا…

يظلون هنا…

في الروائح، في الأصوات، في الأشياء الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد… إلا نحن.

 

ولهذا… حين أُعدّ القهوة، لا أفعلها لأشرب،

بل لألتقيه.

لأقول له دون صوت:

 

 "ما غِبت… أنت فقط أصبحتَ فنجانًا يسكن يدي، ورائحةً تسكن أنفاسي، وذاكرةً… تسكن قلبي."

 

في كل مرة كان يغلي فيها البن، لم أكن أرى يديه فقط وهما تحرّكان الملعقة ببطء، بل كنت أرى عمرًا بأكمله ينضج معه…

كأن القهوة كانت مرآة لحياته: مرة مُرّة، مرة داكنة، ومرة تختلط برشة هيل فيصير طعمها أجمل رغم كل ما فيها من مرارة.

 

لم أفهم يومها لماذا كان يقف طويلًا أمام النار، يراقب الفقاعات الصغيرة، وينتظر اللحظة الدقيقة التي يرفع فيها الغلاية، قبل أن تفيض…

لكنني فهمت لاحقًا…

أنه كان يعلّمني درسًا خفيًا عن الحياة.

أن الأشياء الجميلة، لا تنتظر حتى تغلي لتُكمل،

وأن كل شيء إذا زاد عن حده، فسد… حتى الحب، حتى الانتظار، حتى القهوة.

 

والآن، بعد أن رحل، كلما صعد بخار القهوة أمامي، أشعر أن الزمن يتوقّف قليلًا…

يتوقف ليسمح له بالعودة، للحظة واحدة فقط…

لحظة، أرى فيها ملامحه تنعكس في دوائر البخار،

ثم تختفي…

كأنها تقول لي:

 

 "أنا لم أغب… أنا فقط انتقلت من حضور الجسد إلى حضور الرائحة، من صوت الكلمات إلى صدى الذاكرة… ومن فنجانك… إلى قلبك."

 

يظن الناس أن الغياب موتٌ كامل…

لكنهم لا يعرفون أن هناك غيابًا من نوعٍ آخر،

غياب لا يأخذ صاحبه تمامًا… بل يتركه معلّقًا في التفاصيل، في الروائح، في الأصوات، في الأشياء الصغيرة التي كان يفعلها يومًا بحب.

 

اليوم، لم يعد هناك صوت ينادي من المطبخ:

 

 "هاتِ الفنجان… القهوة خلصت."

لكن الرائحة؟

لم تغب.

ولن تغيب.

هي رسالته الأخيرة لنا…

أن الحب لا يُسكن الجسد وحده، بل يسكن الأشياء التي لمسناها، صنعناها، أحببناها.

 

ولهذا، كلما صعد بخار القهوة،

أرفع عيني نحو الفراغ الممتلئ بذكراه،

وأهمس لفنجاني:

 

 "ما غبت… أنت فقط صرتَ رائحةً… تدفئ القلب كل صباح."

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى