add image adstop
News photo

صبايا العنب فجر يمحو الزهور من قرى المنوفية

 

 

بقلم د/سماح عزازي 

 

حين صار الطريق مقصلة... 

وذابت أحلام البنات تحت عجلات الموت

في وطنٍ اعتاد أن يوقظ صباحاته على أصوات الأذان وهديل الحمام، جاء صباح الجمعة مختلفًا... باهتًا، حزينًا، يجلله السواد، وتكتنفه فواجع لم تتعودها حتى القلوب الجبارة.

كأن الزمن توقّف على قارعة الطريق، وتحوّل الأسفلت الأسود إلى لافتةٍ مكتوبة بالدماء:

 

"هنا سقطت زهرات العنب... هنا ذابت أحلام الفقر والشقاء تحت عجلات الموت".

 

في قرية كفر السنابسة التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية، خرجن صبيحة الجمعة كعادتهن، بخطوات تشبه الندى، وقلوبٍ يملؤها الحلم البسيط؛ سلال عنب، وعرقٌ طاهر، ولقمة شريفة... لا يطلبن من الدنيا سوى قوت يوم، وفرحة أم تنتظر، أو مصروف دراسة، أو ثمن دواء لأبٍ أنهكه الدهر.

 

لكن القدر كان يسير في اتجاهٍ مغاير... هناك على الطريق الإقليمي القاسي، حيث لا رحمة للعجلات الثقيلة، ولا شفقة في قلوب السائقين، ولا يقظة في ضمائر من يستهينون بأرواح البشر، تحوّل الميكروباص الذي يحمل 18 زهرة من زهرات الحياة إلى تابوتٍ متحرك.

تصادم مروّع، صرخة اخترقت السماء، وأشلاء تناثرت على الإسفلت، لتصحو القرية الصغيرة على خبر لا يتحمله الجبل:

 

"بناتنا... صبايانا... رحلْن جميعًا".

 

مشهد لم يكن عادياً، ولم يكن حادثاً عابراً. إنه مشهد لو انحنت له الأرض، وبكت له السماء، لكان قليلاً على حجم الفاجعة. كيف تتحمّل أمٌّ وداع ثلاث من بناتها دفعةً واحدة؟! كيف يمتلئ مسجد القرية بنعوش بيضاء تحمل أحلاماً بريئة، وأعماراً لم تكتمل؟!

 

هكذا، في وطنٍ يحاول أن ينهض، تأتي الحوادث لتُذكِّره أن هناك أوجاعًا كامنة على الطرقات، تحتاج أكثر من الدموع... تحتاج إلى وقفة ضمير، وإصلاح حقيقي، وعدالة لا تعرف التساهل مع من يعبث بالأرواح.

 

 دمعةٌ تُسكن قصص البساطة

في صباح الجمعة 27 يونيو 2025، ارتدى الطريق الإقليمي رداءه المظلم بدماء 18 فتاة من قرية كفر السنابسة بمركز أشمون، تعدن إلى أعمالهن البسيطة في زراعة العنب، فلا يعلمن أن الأشجار لن تنبت مزيدًا من الحياة، وأن الزهرات الصغيرات لن تضيئن حقولهن. صراخ يقسو على القلوب، ووجع يفور في الصدور: هل تستحق الحياة أن تُفدى بحافة الطريق؟

 

تفاصيل الفاجعة لحظةٌ حررت الموت من محبسه

وفقًا لتقارير اليوم السابع، وقع الحادث عند الساعة 10:00 صباحًا حينما اصطدمت شاحنة نقل ثقيل "تريلا" بسيارة ميكروباص تقل 18 فتاة في طريقهن لجني العنب، إثر انحراف السائق نتيجة "النوم أثناء القيادة"، قبل أن يلوذ بالفرار، دون أن يشهد الرحمة الأخيرة للأهالي .

الحصيلة الأولية كانت 10 فتيات في الحال، بيد أن الأرقام ارتفعت سريعًا إلى 18 فتاة، بالإضافة إلى سائق الميكروباص، وأصيب ثلاثة آخرون، اثنان منهم في حالة خطيرة .

 

وجوه صامتة.. أسماء تأبى النسيان

نُشرت أسماء الضحايا على سيارات الإسعاف لتسهيل التعرف عليها: من مستشفيات قويسنا، الباجور، سرس الليان، وأشمون العام، وضمّت بينهن الشابة جنى يحيى فوزي (14 سنة) التي حصلت على 90 % في الشهادة الإعدادية قبل دقائق من وفاتها في حادثة لم تسمع صدى فرحتها .

 

من بين الضحايا، أسماء ومعيلات لأسرهن، بعضهن بلغن 13 عامًا، كلها خرجت باكراً في رحلة يومية تكلفها أضعاف ما تجنيه. ومع ذلك، كان القدر أقسى، فالدفن كان بداية المأتم وليس النهاية .

 

صرخة القلوب "الصبايا زهرة رحيلة"

 «فجرًا خرجن بحثًا عن لقمة عيش لكن العودة كانت في نعوش»، هكذا وصفت صحيفة سبق عزاء بنات كفر السنابسة، لهن، إذ فارقت الحياة الحقول والمطرزات والبسمة .

 

كما شهدت الإذاعة الرسمية وقناة صدى البلد روايات صادمة من الأهالي، ذرفوا الدموع وأطلقوا الزفرات في مشهد نادر، فخيم الحزن على الشارع بأكمله .

 

تحركات رسمية إمساك الأمانة بعد الرحيل

القبض على سائق المركبة التريلا فور تحديد هويته من قبل الأمن .

 

عينة لمخدرات السائق ثبت تعاطيه المواد المخدرة في وقت الحادث .

 

شيخ الأزهر عبّر عن عزائه ودعا لاتخاذ الإجراءات الحازمة .

 

قرينة الرئيس السيسي، السيدة انتصار السيسي، أعلنت تقديم الهلال الأحمر للدعم النفسي والمادي، ووجهت بدعم عاجل .

 

وزارة العمل ووزارة التضامن أعلنت تعويضًا ماديًا مناسبًا—200 ألف جنيه لكل أسرة متوفاة، و20 ألف جنيه لكل مصاب، وعلاوة عاجلة 100 ألف جنيه من التضامن .

 

جنازة جماعية ألف قلب يودّع زهرة العمر

شهدت قرية كفر السنابسة جنازة حاشدة، امتدت الشعائر من المسجد إلى الشوارع، في مشهد غير مسبوق، وأكّد محافظ المنوفية ومدير الأمن على تفعيل مراقبة المشافي وتحقيق العدل لأهالي الضحايا .

 

ردود البرلمان والمجتمع ارحموا الشعب يرحمكم الله

قدمت النائبة سناء السعيد سؤالًا إلى الحكومة والوزراء حول غياب الرقابة وضرورة إصلاح البنية التحتية، وطالبت أن "رحموا الشعب يرحمكم الله" .

كما تلقى الرئيس توجيهاً عاجلاً بصيانة الطرق الإقليمية، وتأمين سرعة المرور وتأهيل نقاط الإنقاذ .

 

في دروب الموت لا تتكرر القصص

تحوّل هذا الحادث إلى رمز لمعاناة تلك الفتيات والبسطاء. قصة 18 زهرة لم تكتمل، حملن معها دموع الأمهات، وآهات القرى، ونداء الوطن.

 

نداء الأخوة الإنسانية:

 

مضاعفة فحوص السيارات النقل والمراقبة على السائقين.

 

تطوير الطريق الإقليمي لمنع الحوادث الكارثية.

 

توفير ناقلات آمنة للعاملين الموسميين.

 

تفعيل الكاميرات الذكية وفرض السرعة القانونية.

 

فهل سنقف بعد الآن بلا حركة، 

أم أن روح صبايا كفر السنابسة ستوقظ ضمائرنا؟

 

هنا على قارعة الطريق... 

صرخ الأسفلت باسمكن... فهل من مجيب؟"

مضت جنازات الصبايا، وامتلأت السماء بأدعية الأمهات المكلومات، وزفّت القرية بناتها إلى مثواهن الأخير. سكن الجسد تحت التراب، لكن الأسئلة بقيت معلّقة فوق الرؤوس، أكثر وجعًا من وقع المصيبة نفسها:

 

إلى متى يظل الطريق الإقليمي مقصلة للبسطاء؟

 

إلى متى يظل السائق المدمن يحكم قبضته على مقود الموت؟

 

إلى متى تصرخ الأرواح، ولا يسمعها أحد؟

 

ما حدث لبنات المنوفية ليس حادثًا... بل جريمة مكتملة الأركان. جريمة تقصير وإهمال، جريمة فساد في الرقابة، وجريمة استهانة متراكمة بحياة الناس.

لن تكون دماء صبايا كفر السنابسة مجرد خبر في نشرة، أو عنوان في جريدة. يجب أن تكون صرخة توقظ الضمائر النائمة، وشرارة تنير دروب الإصلاح الحقيقي.

 

نريد طرقًا آمنة، نريد قانونًا يحمي الفقراء من غدر الطريق، نريد دولة تقف على مفترق الحياة والموت لتختار الحياة لشعبها.

صحيح أن بنات كفر السنابسة رحلن، لكن أرواحهن اليوم تطوف فوق الطرقات، وتهمس في أذن كل مسؤول:

 

 "إما أن تُقيموا العدل، وتحموا الباقين... 

أو سيظل الطريق يكتب مآسيه بدماء الأبرياء".

 

هنا على هذا الطريق... سالت دموع لا تجف، وارتفعت أكفٌّ لا تهبط. فهل يا ترى، سيبقى الطريق مقصلة؟ أم تتحوّل صرخته إلى بداية وطنٍ يسمع أنين شعبه؟

 

هنا... حيث صرخ الأسفلت باسمكن، فهل من مجيب؟!

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى