بقلم د/سماح عزازي
في زمانٍ تعلو فيه أصوات المصالح فوق أصوات المبادئ، وتُباع فيه القيم في أسواق المساومات الرخيصة، يصبح استدعاء صفحات المجد واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا، بل وضرورة تاريخية تُذكّر الأمم بمن كانت... ومن تكون... وما ينبغي أن تكون عليه.
في زمانٍ تصدعت فيه جدران الهوية، وانكفأت فيه أمة العرب على جراحها، بين مستعمر لا يرحم، ومستبد لا يخجل، وبين شعوب أُنهكتها الحروب وضاعت فيها البوصلة، يعود التاريخ ليقرع أبوابنا، لا ليُحكى، بل ليُحاسبنا.
ليس عبثًا أن يسجل التاريخ يومًا من أيام العرب، يومًا كُتب بالدم، وخُطّ على صفحات الرمال، وحُفر على صخور المجد: "يوم ذي قار".
ليس عبثًا أن تتحد قبائل طالما أكلتها الحروب القبلية، وتجاوزت جراحها، لتقف صفًا واحدًا، تحت راية واحدة، لا طمعًا في مال، ولا بحثًا عن أرض، بل غيرة على عِقال امرأة عربية أراد الطغيان أن ينزعه عن رأسها ليُلبسه في بلاط كسرى الفارسي.
ذلك اليوم لم يكن معركة بين سيوف ورماح، ولا بين جيشين فقط، بل كان معركة بين معنيين:
الكرامة والذل، الحرية والعبودية، السيادة والخنوع.
ذاك اليوم لم يكن مجرّد ملحمة من الماضي، بل رسالة حية إلى الحاضر... وإلى أولئك الذين باعوا إرادتهم، وتنازلوا عن شرفهم الوطني أمام طمع المحتل، وتهديد الغازي، وإغراء السُحت السياسي.
فلتنصت الأجيال جيدًا... ولتسمع الأرض والسماء ما حدث هناك... في ذي قار.
في ذاكرة التاريخ، لحظات لا تموت. لحظات تهبُّ من الماضي كما تهبُّ العواصف، فتكنس غبار المهانة، وتوقظ جذوة الكبرياء في الأرواح التي أرهقها الانكسار. ومن تلك اللحظات المضيئة، تشعّ معركة "ذي قار"، كفصلٍ خالد من فصول المجد، يوم ارتفعت رايات العرب دفاعًا عن عِقال امرأة عربية، في وجه أعظم إمبراطوريات الأرض يومئذ: إمبراطورية الفرس الساسانية.
البداية... مؤامرة ثأر وأطماع
في بلاط كسرى أبرويز، حيث البذخ والفخامة، وحيث كان يُدار شأن العالم بقرارات تُكتب بالذهب وتُنفذ بالحديد، كان يجلس في أحد المجالس رجلٌ عربي يُدعى زيد بن عدي. رجل يحمل في صدره حقدًا دفينًا، إذ إن الملك العربي النعمان بن المنذر قد غدر بوالده عدي بن زيد وقتله غدرًا، في سلسلة من الصراعات السياسية بين ملوك العرب المتحالفين مع الفرس.
اغتنم زيد لحظة انشغال كسرى بالحديث عن جمال نساء العرب، ليبثّ سمَّه قائلاً:
"أيها الملك، إن للنعمان من النساء ما يفوق العشرين، من بناته وأخواته وبنات عمومته، كلهن على قدرٍ يفوق الوصف من الجمال."
(المصدر: تاريخ الطبري، المجلد الثاني؛ الكامل في التاريخ لابن الأثير)
كان ذلك كافياً لإشعال شرارة الطمع في نفس كسرى، فأرسل إلى النعمان يطلب منه أن يَهَبَه إحدى بناته لتكون له خليلة في بلاطه الفارسي، متجاهلًا كل القيم والأعراف، ومتعاميًا عن كرامة ملوك العرب.
جواب النعمان... الكرامة فوق الحياة
جاء ردّ النعمان صاعقًا، حاسمًا:
"دون ذلك، الموت ألف مرة... أن أُسلّم حرةً عربية لتكون وطرًا لعجميّ غريب!"
لم يكن هذا الجواب مجرد رفض، بل كان صفعة في وجه إمبراطورية لطالما اعتادت أن تطأ أعناق الملوك. فاستشاط كسرى غضبًا، وأرسل في طلب النعمان، الذي أدرك أن نهايته باتت محتومة. لكنه لم ينكسر؛ بل استودع أعزّ ما يملك — ابنته — عند هاني بن مسعود الشيباني، سيد قبيلة بني شيبان، وقال له:
"إني ذاهب إلى ما تعلم، وهذه أمانة في عنقك، فاحفظها كما تحفظ ماء وجهك."
(المصدر: الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني؛ تاريخ ابن خلدون)
مضى النعمان إلى كسرى، حيث أُهين وأُعدم دون محاكمة، ليُسجل اسمه بين من دفعوا حياتهم ثمنًا للكرامة.
هاني بن مسعود... صدى المجد يصرخ
لم تكد تمر أيام حتى أرسل كسرى إلى هاني يطالبه بتسليم الفتاة. لكن هاني لم يكن رجلاً يُقاس بالذهب أو يُشترى بالتهديد. رفع رأسه شامخًا، وأطلق كلماته التي حفرتها الأيام على جدران المجد:
"تأبى علينا أنفتنا، وتمنعنا حميّتنا، أن نُسلّم الحرة العربية إلى الأعاجم!"
كلمات ليست كالكلمات، بل أعمدة من نار وسيوف. لم تكن مجرد ردّ، بل كانت إعلانًا للحرب.
"ذي قار... الجغرافيا التي أنجبت المجد"
في عمق الجنوب العراقي، بين ضفاف الفرات وأهوار الماء والقصب، تقع ذي قار... الأرض التي لم تكن يومًا مجرد صحراء عابرة، بل كانت مسرحًا للتاريخ، وموئلًا لحضارات قامت ثم اندثرت، لكنها تركت بصمتها في وجدان الإنسانية جمعاء.
ذي قار ليست اسم معركة وحسب، بل اسم لمنطقةٍ تتربع اليوم على خارطة العراق الحديث، بمحافظة تحمل اسمها، وعاصمتها مدينة الناصرية. تمتد ذي قار جنوب شرق العراق، يحدّها من الشمال القادسية، ومن الشرق ميسان، ومن الجنوب البصرة، ومن الغرب المثنى، وتخترقها شرايين الفرات العظيم.
هنا في هذه الأرض، قامت أعظم حضارات التاريخ القديم: حضارة السومريين، التي أنجبت مدينة أور، مهد النبي إبراهيم عليه السلام، ومعابد الزقورات التي لا تزال شاهدة على عبقرية الإنسان الأول.
لكن ذي قار لم تكن فقط مهداً للحضارة، بل كانت أيضًا مهداً للمجد والكرامة. ففي رمالها الجافة، وبين أهوارها الرطبة، وعلى تخوم سواحل الفرات، اجتمعت قبائل العرب لتخطّ بدمائها يومًا خالدًا من أيام العزة، يوم قال العرب قولتهم الفاصلة:
"لا تُسلَّم الحرة العربية للأعاجم ولو كان الثمن أرواحنا جميعًا."
ذي قار إذًا، ليست مجرد نقطة على الخريطة، بل شاهدٌ خالد على أن الجغرافيا حين تُخصبها الكرامة، تُنبت مجدًا لا يذبل.
الإمبراطورية تهتز... العرب على موعد مع القدر
كشر كسرى عن أنيابه، وأمر بتجهيز جيش جرار بقيادة الهامرز التستري، أقوى مرزبان في الدولة الفارسية، وقال له بالحرف:
"اسحقهم حتى لا تقوم لهم قائمة، واجلب لي الفتاة كما يُجلب الغنم للسوق."
(المصدر: البداية والنهاية لابن كثير؛ فتوح البلدان للبلاذري)
لكن ما لم يكن يعلمه كسرى، أن تلك الفتاة العربية لم تعد مجرد امرأة، بل أصبحت رمزًا يشبه الأرض والعرض والكرامة.
أرسلت قبيلة بني شيبان نداءها إلى القبائل العربية: "يا معشر العرب، العرض في خطر، والكرامة تُستباح، فهلمّوا للدفاع عن ما تبقّى من شرفكم."
وجاء الرد أسرع من البرق. لبّت النداء قبائل بكر، وربيعة، وعبس، وذبيان، وغطفان، وهوازن، وتميم.
اجتمع من كان بالأمس أعداء، وتناسى المتناحرون دماء الثأر القديمة، واجتمعوا تحت راية واحدة: "لا تُسلَّم الحرة العربية للأعاجم."
معركة ذي قار... حين صرخت الصحراء
في صحراء ذي قار، حيث الرمال تلفح الوجوه، والشمس كأنها سيوف من لهب، تقابل الجمعان.
من جهة: جيش فارس، يضم عشرات الآلاف من المقاتلين المدججين بأحدث العتاد، جيش لم يُهزم منذ قرون.
ومن جهة أخرى: جموع العرب، فرسانٌ بسطاء، دروعهم صدورهم، وسيوفهم إيمانهم بأنهم إن قُتلوا، ماتوا أحرارًا.
يُقال إن هاني بن مسعود خطب في قومه يومها قائلاً:
"يا معشر العرب، لا مقام لكم بعد اليوم إن أنتم سلّمتم امرأة واحدة. الموت أهون من الذل، والقبور خير من القصور إن ذهب الشرف."
دارت رحى الحرب.
صهيل الخيل امتزج بصراخ الجرحى، والغبار حجب وجه الشمس.
سقط الفرسان واحدًا تلو الآخر، لكن العرب لم ينحنوا. بل قاتلوا كما تُقاتل الأسود الجريحة.
سقط الهامرز التستري صريعًا، ومعه انكسرت هيبة فارس لأول مرة في تاريخها.
يوم العرب... يومٌ لا يُنسى
انتصرت العرب. ليس انتصارًا في معركة فحسب،
بل انتصارًا للكرامة، للعرض، للشرف.
قالها المؤرخون:
"كان يوم ذي قار يومًا من أيام العرب، انتصر فيه العرب
على الفرس، ورفعوا رؤوسهم فوق الهامات."
(المصدر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام - د. جواد علي؛ موسوعة تاريخ العرب)
بين ذي قار واليوم... أين نحن؟
ما أقسى أن نقرأ هذا المجد، ونحن في زمان لم يبق فيه من ذي قار إلا الذكرى.
زمانٍ صارت فيه الأوطان تُباع في مزادات السياسة، وصار العرض سلعة، والكرامة تُستبدل بالكراسي.
زمانٍ لا فينا حمية الجاهلية، ولا فينا نخوة الإسلام.
أيها العرب... يا أحفاد هاني بن مسعود... هل تُعيدون ذا قار؟
أم أن ذي قار، ولّت مع الذين عرفوا أن الموت أهون من أن تُسلَّم امرأة للعجم أو أن يُداس على الكرامة؟
وها نحن اليوم، نقف أمام مرآة التاريخ، ننظر فيها فلا نكاد نعرف وجوهنا.
أيها العرب... يا أحفاد هاني بن مسعود... يا ورثة دماء الفرسان الذين قاتلوا يوم ذي قار... هل بقي منكم بقية؟
أنظر حولي فلا أرى سوى جدران الصمت، وأسوار الخوف، وأسواق تباع فيها الأوطان كما تُباع السلع البائرة.
أنظر، فأرى خيامًا مزقتها العواصف، وعروشًا هزّتها الرياح، وأرى الغاصب يمد يده، لا ليأخذ امرأة كما فعل كسرى، بل ليأخذ الأرض، والهوية، والسيادة، والكرامة... وكل شيء.
فأين أنتم من ذي قار؟ أين أنتم من يوم اجتمع فيه العرب، وهم بالأمس أعداء، فصاروا على قلب رجل واحد؟
أين أنتم من نخوة رجل وقف في وجه إمبراطورية وقال: "تأبى علينا أنفتنا أن نُسلّم الحرة إلى الأعاجم"؟
أما اليوم، فصارت الحرة تُباع تحت مسميات الحداثة، وتُسلَّم تحت رايات التطبيع، وتُهدى تحت موائد الاستسلام.
يا قوم...
ما عاد الوقت وقت بكاء على الأطلال، ولا وقت ندبٍ على ما فات، بل هو وقت مواجهة مع النفس، ومع التاريخ، ومع المصير.
إما أن نستعيد مجد ذي قار في قلوبنا، وفي أفعالنا، وفي مياديننا...
وإما أن نكتب نحن نهاية الرواية، نهاية أمة كانت يومًا، ثم ماتت حين قررت أن تموت واقفة، لكنها في النهاية سقطت راكعة أمام الطغيان.
فلنختر...
فللتاريخ وجهان...
وجه ذي قار... ووجه المهانة.
وأقسم بالله، إن الخيار لا يزال بأيدينا
المراجع والمصادر الموثوقة:
الطبري، تاريخ الرسل والملوك.
ابن الأثير، الكامل في التاريخ.
ابن كثير، البداية والنهاية.
البلاذري، فتوح البلدان.
أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني.
ابن خلدون، المقدمة.
جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام.
موسوعة تاريخ العرب قبل الإسلام.
التعليقات الأخيرة