بقلم د/سماح عزازي
30 يونيو… حين نهضت أمة، واستعاد الوطن روحه
في مسار الأمم، تأتي لحظات فارقة، يتوقف عندها التاريخ طويلًا، يكتبها لا بالحبر، بل بدماء الأحرار، وهتاف الملايين، ودموع الأمهات، وعرق الرجال الذين أقسموا أن يبقى الوطن عاليًا، مهما عظمت التضحيات.
هكذا كانت مصر في صيف العام 2013… جسدًا يتلوى بين أنياب المؤامرة، وروحًا تحاول أن تسترد أنفاسها، وعينًا تحدق في المجهول، تتساءل: هل يسقط الوطن؟ هل تضيع البلاد كما ضاعت غيرها؟ هل تُباع مصر في سوق الفوضى، كما بيعت أوطان شقيقة أمام أعيننا؟
في تلك اللحظات العصيبة، لم يكن المصريون أمام خيار رفاهية، بل كانوا أمام خيار وجودي: "إما أن تحيا مصر… أو لا تكون".
ومن رحم الألم، انطلقت الإرادة، وخرجت الملايين، رجالًا ونساءً، شيوخًا وأطفالًا، يهتفون بصوت هزّ أركان الأرض والسماء:
"مصر لنا… ولن تكون إلا لنا".
كان يوم الثلاثين من يونيو يومًا تتجلى فيه الحقيقة، حين انتفضت الأمة دفاعًا عن ذاتها، ضد مشروع ظلامي أراد اختطاف الوطن، وتحويله إلى إمارة ماضوية لا تعرف الوطن ولا تعترف بحدوده ولا تحترم هويته.
لم تكن ثورة 30 يونيو ضد شخص أو حكومة، بل كانت ضد مشروع أراد أن ينسف الدولة من جذورها… مشروع لم يعرف قدسية الأوطان، ولا فهم معنى التاريخ، ولا أدرك أن مصر ليست كيانًا هشًا، بل دولة ضاربة في عمق الزمن، عصية على السقوط والانكسار.
في ذلك اليوم المجيد، تحولت الميادين إلى أمواج بشرية تهتف: "الشعب يريد إنقاذ مصر"… وفي الخلفية كان صدى التاريخ يردد:
"هنا القاهرة… هنا مصر التي لا تُكسر".
في مسيرة الشعوب، هناك أيام لا تشبه سواها… أيام تعبر فيها الأمم من ضفة الفوضى إلى ضفة الأمان، من شفا السقوط إلى قمة البقاء، من الاختطاف إلى التحرير. ولعل يوم الثلاثين من يونيو عام 2013، سيظل محفورًا في الوجدان المصري والعربي كأحد أعظم تلك الأيام التي أعادت للوطن ملامحه، واستعادت للدولة هويتها، وللشعب إرادته.
حين كان الوطن رهينة
بعد أحداث يناير 2011، دخلت مصر في نفق سياسي معتم، تقاذفتها أمواج الفراغ، حتى تسللت جماعة الإخوان إلى الحكم، واعتلت سدة السلطة في مشهد لم يكن يعبر عن الأغلبية بقدر ما كان يعكس استغلالًا للفراغ والارتباك.
لم يكن مشروع الجماعة مشروع دولة، بل كان مشروعًا تنظيميًا قائمًا على الأخونة، على تفكيك مؤسسات الدولة، وعلى هندسة المجتمع وفقًا لفكر الجماعة لا لروح الوطن.
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن ما يُخطط له يتجاوز حدود السياسة إلى العبث بجوهر الدولة:
إعلان دستوري يمنح الحاكم صلاحيات مطلقة.
محاولة تفكيك مؤسسات الجيش والشرطة والقضاء.
هجوم غير مسبوق على الإعلام والصحافة.
خطاب طائفي فجّ يقسم المصريين بين مؤمنين وكافرين، أنصار ومعارضين.
تزايد الانهيار الاقتصادي، وظهور أزمات خانقة في الوقود والكهرباء.
ما قبل الانفجار… دروس يناير الحائرة
ربما لم يكن الثلاثون من يونيو ليحدث لولا الدرس القاسي الذي أدركه المصريون بعد ثورة يناير. الثورة التي خرجت من رحم الغضب والأمل، لكنها خلفت وراءها فوضى عارمة، فتكت بالمؤسسات وأطلقت العنان لقوى لا تؤمن بالدولة ولا تعرف حدود الوطن.
كشفت يناير أن سقوط رأس النظام لا يكفي، وأن بناء الدولة أصعب من هدمها، فكان ذلك الجرح هو الذي دفع المصريين لاحقًا للانتفاض لا من أجل تغيير أشخاص، بل من أجل إنقاذ وطن بأكمله.
لماذا قال الشعب كلمته؟
بحلول منتصف 2013، كانت مصر على حافة السقوط:
الاقتصاد ينهار.
الإرهاب ينتشر.
الميليشيات تتحرك في وضح النهار.
الخدمات الأساسية تتوقف.
المؤسسات تُفرغ من مضمونها لصالح مشروع الجماعة.
فخرجت حركة "تمرد"، جمعت 22 مليون توقيع على سحب الثقة من الدكتور محمد مرسي، وتحوّل الغضب الشعبي إلى زلزال هزّ أركان النظام الإخواني، وسط تغطية إعلامية واسعة محلية ودولية أكدت حجم الرفض الشعبي غير المسبوق.
30 يونيو… الميدان شاهد
لم يكن يومًا عاديًا. الملايين احتشدوا في الميادين والشوارع، من التحرير إلى الاتحادية، من النهضة إلى قلب كل مدينة وقرية. المشهد كان أكثر من ثورة… كان ميلاد وطن جديد.
رفع المصريون علمهم فوق كل انتماء، وأطلقوا هتافهم الموحد:
"ارحل… الشعب يريد إنقاذ الوطن".
الجيش… حامي الوطن لا طرف في السياسة
في الثالث من يوليو، أعلن الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك، انحياز القوات المسلحة الكامل لإرادة الشعب. لم يكن انقلابًا كما روّجت أبواق الجماعة، بل كان تدخلًا دستوريًا لحماية الدولة، عبر خارطة طريق واضحة شملت:
عزل الدكتور محمد مرسي.
تعطيل الدستور المؤقت.
تكليف رئيس المحكمة الدستورية بإدارة شؤون البلاد مؤقتًا.
الدعوة لانتخابات رئاسية وبرلمانية.
البدء في إصلاح شامل لمؤسسات الدولة.
العالم بين مؤيد ومعارض
لم تمر الثورة دون صدى دولي.
دول الخليج (السعودية، الإمارات، الكويت):
بادرت بالدعم الكامل، سياسيًا واقتصاديًا، مؤكدة أن استقرار مصر هو صمام أمان للعالم العربي.
الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي:
ارتبك الموقف في البداية بين توصيف ما حدث كـ"انقلاب" أو "ثورة"، لكن مع تصاعد موجات الإرهاب في سيناء، تبدلت المواقف تدريجيًا.
تركيا وقطر: وقفتا في معسكر الجماعة، وقدمتا الدعم الإعلامي والسياسي لمحاولة إعادة الإخوان إلى المشهد.
ماذا أنجزت ثورة 30 يونيو؟
إنقاذ مصر من مشروع تفكيك الدولة.
إنهاء حكم جماعة حاولت اختطاف الوطن باسم الدين.
استعادة مفهوم الدولة الوطنية المدنية.
بناء واحدة من أكبر شبكات البنية التحتية في الشرق الأوسط (طرق، كهرباء، طاقة، مدن جديدة).
إطلاق مشروعات قومية غير مسبوقة: قناة السويس الجديدة، العاصمة الإدارية، مشروع 100 مليون صحة.
القضاء على البؤر الإرهابية، وفرض الأمن في سيناء وكل ربوع الوطن.
ثلاث ثورات… مسيرة وطن
ثورة يوليو 1952
الهدف: إنهاء الاحتلال وبناء دولة العدالة الاجتماعية.
النتيجة: جمهورية قوية، ولكن بنظام مركزي احتكر السياسة.
ثورة يناير 2011
الهدف: الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
النتيجة: سقوط نظام، لكنه خلف فراغًا خطيرًا سمح للإخوان باختطاف السلطة.
ثورة 30 يونيو 2013
الهدف: استعادة الدولة وحماية الهوية الوطنية.
النتيجة: بناء دولة مدنية حديثة، قادرة على مواجهة الإرهاب، واستعادة مكانة مصر إقليميًا ودوليًا.
30 يونيو… شهادة ميلاد جديدة لوطن لا يموت
في نهاية المطاف، سيكتب التاريخ أن الثلاثين من يونيو لم يكن مجرد يوم في رزنامة الوطن، بل كان فاصلة نور وسط ظلام دامس، كان يومًا قال فيه المصريون للعالم كله:
"لدينا جيش لا يخذل، وشعب لا ينكسر، ووطن لا يُهزم".
لقد كانت ثورة 30 يونيو ملحمة وجود، لم تدافع فيها مصر عن حدودها الجغرافية فقط، بل عن معنى أن تكون دولة، عن معنى أن يكون لديك وطن لا يُدار من الكهوف، ولا تُحكم راياته من وراء الحدود، ولا يتحول فيه المواطن إلى رهينة في يد جماعة، ولا تُختصر فيه الهوية في شعار حزبي أو طائفي.
هي الثورة التي أعادت تعريف مفهوم الوطنية في زمن صارت فيه الأوطان سلعة في مزادات المصالح الدولية، وأثبتت للعالم أن مصر ليست دولة عابرة في خرائط السياسة، بل أمة حين تنهض تهتز لها موازين الإقليم والعالم.
وإذا كان التاريخ سيذكر يوم 23 يوليو كثورة التحرر الوطني، ويذكر يوم 25 يناير كثورة التمرد على الفساد، فإن يوم 30 يونيو سيظل محفورًا كأعظم لحظة استرداد… لحظة قال فيها شعب مصر:
"مصر ليست للبيع… مصر لا تختطف… ومصر لا تركع إلا لله وحده."
يا أرض الكنانة، يا وطن المجد والأنبياء… يا مصر التي علمت الدنيا معنى الحضارة، ومعنى الكرامة… سيظل الثلاثون من يونيو شاهدًا عليكِ وعلى شعبك… يومًا لا يُنسى… يومًا كتبت فيه شهادة ميلادك من جديد، بمداد من دماء الشهداء، وعرق الرجال، وهتاف الملايين:
"تحيا مصر… تحيا مصر… تحيا مصر".
خلاصة المشهد ليست ثورة 30 يونيو مجرد حدث سياسي، بل هي لحظة فارقة في تاريخ مصر الحديث. لحظة قال فيها الشعب:"مصر لا تُختطف… لا تُباع… لا تركع إلا لله وحده".
في يوم الثلاثين من يونيو، انتصر الوطن… انتصرت مصر.
المراجع والمصادر:
وكالة أنباء الشرق الأوسط – أرشيف 2013.
الأهرام – تقارير يونيو ويوليو 2013.
المصري اليوم – تغطية أحداث 30 يونيو و3 يوليو.
CNN – تغطية مظاهرات 30 يونيو.
BBC – تحليل خطاب الجيش المصري.
وكالة رويترز – أرشيف الأحداث في مصر.
تقرير منظمة العفو الدولية – يونيو 2013.
خطاب الفريق أول عبد الفتاح السيسي – التلفزيون المصري الرسمي.
الجزيرة – أرشيف تغطية يونيو ويوليو 2013.
التعليقات الأخيرة