بقلم د/سماح عزازي
في عالم تتقاطع فيه التكنولوجيا مع الحرب، وتتصارع فيه العقول على من يملك أسرار البقاء، تصبح الحقيقة أكثر الأشياء غموضًا. ما تراه العين ليس بالضرورة ما هو قائم، وما تكشفه الأقمار الصناعية قد يكون مجرد خدعة هندسية بارعة. بين طيات الجبال، وتحت أطنان من الصخور، تختبئ أسرار الدول كما كانت تختبئ أسرار الملوك في أعماق وادي الملوك. ومن لا يفهم أن الشرق يُخفي أكثر مما يُظهر، سيظل أسيرًا لوهم الصورة… ووهم القوة.
في عالم تتصدره صور الأقمار الصناعية، وتقارير المخابرات، ومقاطع الفيديو التي تُسربها مراكز الأبحاث الغربية عن المنشآت النووية، ينساق الرأي العام بسهولة خلف ما يُعرض عليه، ظنًا أنه يرى الحقيقة الكاملة، بينما الحقيقة —كما علمنا التاريخ— غالبًا ما تختبئ خلف ستائر الخداع البصري والحرب النفسية.
ولعل من يزور مقابر وادي الملوك في مصر القديمة، يُدرك حجم الذكاء الهندسي والمعماري الذي مارسه المصري القديم لحماية أسراره، حتى بعد الموت. لم تكن البوابات هناك تُفضي إلى الدفن مباشرة، بل كانت مجرد خدع بصرية وهندسية، تقودك إلى ممرات متشابكة، منحدرات حادة، وأبواب كاذبة. بعضها ينحدر إلى أعماق تصل إلى 58 مترًا تحت سطح الأرض، كما في مقبرة الملك رمسيس الثاني (KV7)، بينما القبر الحقيقي يختبئ في موضع يصعب تخيله.
ذلك الفن الذي مارسه المصريون القدماء، لم يكن محض عبث معماري، بل استراتيجية بقاء. كان الغرض واضحًا: إخفاء قلب الهدف عن أعين اللصوص والطامعين، حتى لو بدت الأبواب مفتوحة، والممرات واضحة، لكنها لا تقود إلا إلى السراب.
فوردو… حين تتحدث الجبال
هنا، على الجانب الآخر من التاريخ، وتحديدًا في قلب إيران، تقع منشأة فوردو النووية، تلك القابعة تحت جبل شاهق بالقرب من مدينة قم. منشأة باتت محورًا للصراع الدولي، وعنوانًا للتوتر المستمر بين طهران وواشنطن.
حين أعلن الأميركيون مرارًا أن "فوردو تحت المراقبة"، وأن الأقمار الصناعية ترصد كل شيء، أُوهم الكثيرون أن الحقيقة أصبحت مكشوفة بالكامل. لكن هل ما تراه الأقمار الصناعية هو كل شيء حقًا؟
هندسيًا وعسكريًا، يُقدّر أن منشأة فوردو محفورة داخل الجبل، على عمق يتراوح بين 80 إلى 90 مترًا تحت سطح الأرض، محصنة بطبقات صخرية صلدة، قادرة على امتصاص الصدمات، وكتم الإشارات، وامتصاص موجات الصوت والرادار. هذه ليست مصادفة، بل فلسفة شرقية قديمة في بناء ما هو مخصص للبقاء، لا للعَرْض.
لا تنخدعوا بالبوابات
ما تُظهره صور الأقمار الصناعية، من مداخل، بوابات، عنابر، أو حتى أنابيب ومعدات على السطح، قد لا يكون سوى الغلاف الهندسي. التصميم الشرقي لا يبني كما يبني الغرب. الغرب يصنع منشآت قابلة للرؤية، لإرسال رسائل ردع صريحة. أما الشرق، حين يخطط لردع، يفعلها بلغة لا تُرى، ولا تُسمع، ولا تُرصد.
تخيل أن ما تُشاهده ليس إلا وهمًا مدروسًا، بوابات تقودك —كما في وادي الملوك— إلى متاهة من الأنفاق والممرات والتفرعات، أما قلب المنشأة الحقيقي، فهو في بطن الجبل، في أعماق لا تصلها حتى القاذفات الخارقة للتحصينات.
هندسة الردع... بلغة الشرق
من يظن أن منشأة مثل فوردو "انتهت"، لم يفهم بعد أن الشرق لا يبني منشآته النووية، أو العسكرية، أو حتى التاريخية، بمنطق الغرب. في حين تُصمم القواعد الغربية لتكون نقاط تشغيل مكشوفة ومنظورة، يُصمم الشرق قواعده على فلسفة البقاء في الظل.
الهندسة الشرقية تُدرك أن المعركة الحقيقية ليست فقط مع العدو المباشر، بل مع الزمن، مع الطبيعة، ومع احتمالات انهيار السياسة. لهذا، البقاء هنا لا يعني فقط الصمود في وجه قذيفة، بل الصمود في وجه عقود من المتغيرات.
لماذا يخطئ الغرب الحساب؟
الغرب يقرأ الأرقام، والمساحات، والانبعاثات الحرارية. لكنه غالبًا لا يقرأ جيدًا العقل الشرقي. هذا العقل الذي صنع في وادي الملوك مقابر قادرة على خداع الزمن، وجعل علماء الآثار في القرن العشرين يقفون مذهولين أمام أبواب لا تفتح إلا على جدران مصمتة، وممرات لا تقود إلا إلى اللاشيء.
إن كان هذا قبل ثلاثة آلاف عام، فمن باب أولى أن تُستخدم ذات الفلسفة —بوسائل معاصرة— في حماية ما هو أخطر بكثير من مقبرة ملك. اليورانيوم لا يُدفن… بل يُحمى.
فوردو... ما تحت الجبل أكثر مما فوقه
منشأة فوردو، مهما عرضت الشاشات من صور أقمار صناعية، أو تقارير استخباراتية، هي أكثر تعقيدًا مما يظهر. الجبل ذاته ليس غطاءً طبيعيًا فحسب، بل جزء من منظومة دفاع معقدة، تعجز القاذفات الأميركية —مهما بلغت تقنيتها— عن اختراقها بسهولة، دون دفع ثمن باهظ.
الدرس الأقدم لا تنبهروا بالعرض
من يتذكر مقابر وادي الملوك، يفهم أن الحقيقة ليست فيما تراه، بل فيما يخفيه الآخر عنك عمدًا. فكما قادت بوابات رمسيس الثاني اللصوص إلى السراب، قد تقود مداخل فوردو المفتوحة العيون إلى قناعة مغلوطة بأن ما تراه هو كل ما في الأمر.
كلمة أخيرة
في زمن تُخاض فيه الحروب بالأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية، تبقى فلسفة الإخفاء والتمويه درسًا خالدًا، علّمته مصر للعالم منذ آلاف السنين، ويعيد الشرق استخدامه بحرفية في معارك الحاضر… ومن يظن أن العرض الأميركي هو الحقيقة، فليراجع جيدًا خرائط وادي الملوك.
التاريخ لا يعيد نفسه عبثًا، بل لأن دروسه خالدة. وكما خدع المصري القديم أعين اللصوص ببوابات كاذبة وممرات متاهية، يخدع الحاضر أعين الأقمار الصناعية بذات الفلسفة، وإن تطورت الأدوات. إن منشأة مثل فوردو ليست مجرد منشأة نووية، بل تجسيد حي لعقلية الشرق التي تؤمن أن الحرب الحقيقية ليست في من يملك السلاح الأقوى… بل في من يُتقن فن الإخفاء والبقاء. فاحذروا أن تنخدعوا بالعرض، فالحقيقة غالبًا تختبئ فيما لا يُقال… لا فيما يُرى.
المراجع والمصادر:
1. تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن منشأة فوردو – 2023
2. تقرير "CSIS" – مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية – عن تحصينات فوردو
3. كتاب "The Valley of the Kings" – Kent R. Weeks
4. موقع وزارة الآثار المصرية – دليل مقبرة KV7 (رمسيس الثاني)
5. تحليل مجلة "The National Interest" – مايو 2024: "لماذا لا تستطيع القاذفات الأميركية تدمير فوردو؟"
التعليقات الأخيرة