add image adstop
News photo

حين يسرقون التاريخ... القصة المنسية لفك رموز الهيروغليفية

 

 

 بقلم د/سماح عزازي

 

في زمنٍ يكتب فيه المنتصرون التاريخ بأقلامهم، وتُضمر فيه حقائق الأمم تحت ركام الأكاذيب الاستعمارية، يصبح استرداد الحقيقة واجبًا مقدسًا، ومعركة وعي لا تقل شأنًا عن معارك الأرض والسيادة.

 

كيف لنا أن نقبل أن يُختصر تاريخنا في سطور كتبها غيرنا؟!

كيف يروّج الغرب، بلا خجل، لفكرة أن فك رموز حضارة وادي النيل كان من صنع عقل فرنسي يدعى شامبليون، متناسين، متعمدين أو جاهلين، أن عالمًا عربيًا مسلمًا سبقهم بقرون، وفتح الباب لفهم هذه الرموز؟!

 

إنه أبو بكر أحمد بن وحشية النبطي... عالم من تراب الكوفة، ابن حضارة كانت في ذروة مجدها حين كان الغرب يغرق في ظلام الجهل. اليوم، نكتب لنصحح... نكتب لنقول للعالم

 أجمع الحقيقة لا تُسرق، وإن سرقها الطغاة إلى حين.

 

في عالم تكتبه الأقوياء وتقرؤه الأجيال، لا عجب أن تُسرق الحقائق وتُطمس الإنجازات، فالتاريخ ليس مجرد سردٍ لما كان، بل هو سلطة... سلطة من يمتلك الكلمة، ومن يتحكم في الرواية. ولعل واحدة من أكثر الأكاذيب رسوخًا في الوعي العالمي هي تلك التي تتعلق بفك رموز اللغة الهيروغليفية، التي نسبها الغرب زورًا إلى أحد أبنائه، الفرنسي "جان فرانسوا شامبليون"، متجاهلًا، عمدًا أو جهلًا، عالِمًا عربيًا مسلمًا سبق شامبليون بأكثر من عشرة قرون، هو العالم أبو بكر أحمد بن علي بن قُسَيْن النبطي، المشهور بابن وحشية.

 

 من هو ابن وحشية؟

ولد ابن وحشية في قُسَيْن قرب الكوفة بالعراق، وتوفي سنة 930م (318هـ). كان عالمًا موسوعيًا، كيميائيًا، فلكيًا، لغويًا، ومن أوائل علماء الترجمة في العصر العباسي. جمع بين علم الزراعة والكيمياء واللغات القديمة، وامتلك قدرة استثنائية على تفكيك رموز الأقلام واللغات المندثرة.

 

 كتابه العبقري: "شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام"

في هذا الكتاب الفريد، حلل ابن وحشية رموز 89 لغة قديمة، وقدم جداول مقارنة بين الرموز ومعانيها الصوتية، منها اللغة الهيروغليفية المصرية. والأعجب أن ما توصل إليه كان صحيحًا في جوهره، إذ أدرك أن الهيروغليفية ليست مجرد صور رمزية، بل هي نظام كتابي يحتوي على رموز صوتية.

 

لقد سبق ابن وحشية بفكره وعلمه اكتشاف شامبليون المزعوم بفترة تقارب ألف عام. والكتاب محفوظ اليوم في مكتبات العالم، ومنها مكتبة جامعة أوكسفورد البريطانية.

 

 الحقيقة التي حاول الغرب دفنها

في عام 1806، أي قبل إعلان شامبليون فك رموز حجر رشيد بـ 16 عامًا، قام المستشرق النمساوي جوزيف فون هامر بُرغشتال بترجمة مخطوطة ابن وحشية إلى اللغة الإنجليزية، ونُشرت في لندن بعنوان:

 "Ancient Alphabets and Hieroglyphic Characters Explained"

(شرح الحروف القديمة والرموز الهيروغليفية)

 

وهذا التاريخ الفاصل يكشف ما يلي:

أن أوروبا كانت تعلم علم ابن وحشية قبل ظهور شامبليون.

 

أن كتاب ابن وحشية كان مرجعًا متداولًا بين علماء اللغات 

في أوروبا.

 

أن هناك اتهامات صريحة في الأوساط الأكاديمية بأن شامبليون قد اطلع على هذا العمل واستفاد منه.

 

ليس هذا افتراء، بل حقيقة مدونة في سجلات التراث الأوروبي نفسه.

 

 شامبليون... بطل من ورق؟

شامبليون الذي يُحتفى به اليوم في كتب التاريخ والمتاحف باعتباره "مكتشف سر الهيروغليفية"، لم يظهر اسمه إلا عقب الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801)، حينما نهب الفرنسيون آلاف المخطوطات والوثائق من الأزهر الشريف، ومن مكتبات القاهرة والإسكندرية.

 

بعدها، ظهر حجر رشيد (الذي اكتشفه ضابط فرنسي في 1799)، وتلاه سباق محموم بين علماء أوروبا لفك لغز الحروف المصرية. ولكن هل كان حجر رشيد وحده كافيًا؟ هذا محل شك كبير، خصوصًا في ضوء وجود عمل علمي متكامل مثل كتاب ابن وحشية، الذي يسبق الحجر نفسه زمنيًا ومعرفيًا.

 

 شهادات من الغرب نفسه

العديد من الباحثين الغربيين أشاروا إلى دور ابن وحشية

 في فتح باب فهم اللغات القديمة. من بينهم:

 

المستشرق الألماني يوهان فيك، الذي وصف كتاب ابن وحشية بأنه "كنز لغوي غير مستغل كما ينبغي".

 

الباحث البريطاني جيمس رايت الذي أكد في بحثه أن مخطوطة ابن وحشية كانت جزءًا من مكتبة جامعة كامبريدج منذ القرن السابع عشر.

 

المؤرخ جورج سارتون في موسوعته "مقدمة في تاريخ العلم"، قال: "ابن وحشية هو أول من حاول بصورة علمية قراءة النقوش المصرية القديمة".

 

 سرقة ممنهجة... لا حادثة عابرة

هذه ليست المرة الأولى التي يستولي فيها الغرب على منجز حضاري عربي أو إسلامي، ليعيد تغليفه ونسبه إلى نفسه. من قبله:

 

سرقوا علم الخوارزمي ونسبوا الجبر إلى أنفسهم.

 

نقلوا الطب عن ابن سينا والرازي والزهرواي وأخفوا 

أسماءهم لعقود.

 

نهبوا علم البتاني في الفلك، وظهرت مصطلحات مثل "algorithm" (الخوارزمية) دون ذكر واضعها الحقيقي.

 

 بين الحاضر والماضي... دروس لا تُنسى

إن القصة ليست مجرد جدل أكاديمي حول من فك شفرة حجر رشيد، بل هي سؤال وجودي لأمة بأكملها:

 

كيف فقدنا زمام الريادة العلمية؟

 

كيف أصبحت مخطوطاتنا نهبًا لكل غازٍ ومحتل؟

 

ولماذا لا تزال جامعاتنا لا تُدرّس تاريخ علمائنا كما تفعل جامعاتهم؟

 

إن إعادة الاعتبار لابن وحشية، ولعشرات من عباقرة الحضارة الإسلامية، ليست ترفًا فكريًا، بل واجبًا حضاريًا في معركة استعادة الوعي.

 

الحقيقة لا تُدفن إلى الأبد

قد يسرقون الحجارة، وقد ينهبون الكتب، وقد يعيدون رسم التاريخ بأقلامهم، لكن الحقيقة تظل كامنة تحت ركام الزيف، لا تموت، تنتظر من ينفض عنها الغبار.

 

وإنه لمن العار على أمة أن يجهل أبناؤها أن سر فك رموز حضارة الفراعنة كان على يد عالم مسلم عربي اسمه: أبو بكر أحمد بن وحشية، لا على يد شامبليون ولا غيره...

 

التاريخ، مهما طال العبث بأوراقه، لا يمحو أثر الحق. قد تُزَوَّر الحقائق، وتُبدَّل الأسماء، ويُقصى أصحاب الفضل عن منصات المجد، لكن شمس الحقيقة لا تغيب إلى الأبد.

إن قصة ابن وحشية ليست مجرد سطر منسي في كتاب الزمن، بل هي شاهد حيّ على حضارة أنجبت علماء سبقوا عصرهم، وأهدوا الإنسانية مفاتيح لغاتها وأسرار حضاراتها.

واليوم، لم يعد مقبولًا أن نظل صامتين، بينما تُسرق عقول أمتنا وتُنسب إلى غير أهلها. فلنرفع صوت الحقيقة عاليًا

 نحن أمة علم وحضارة، أمة كتبت التاريخ... قبل أن يبدأ الآخرون في تعلُّم القراءة.

 

المراجع المصادر:

1. كتاب "شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام"، ابن وحشية، مخطوطة محفوظة في مكتبة أوكسفورد.

 

2. "Ancient Alphabets and Hieroglyphic Characters Explained"، جوزيف فون هامر، لندن 1806.

 

3. جورج سارتون، "مقدمة في تاريخ العلم"، الجزء الثاني، مطبعة جامعة هارفارد.

 

4. جيمس رايت، "The Arabic Origins of Modern Egyptology"، مجلة دراسات الشرق الأوسط، لندن 1998.

 

5. Johann Fück, "Arabische Studien zur Ägyptologie", Berlin, 1942.

 

6. الموسوعة البريطانية، مدخل: Jean-François Champollion.

 

7. تقارير المكتبة البريطانية حول المخطوطات الشرقية، القسم الإسلامي.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى