بقلم د/ سماح عزازي
في حكايات الكبار، يكون الأب عمود البيت… وفي حكايات الأطفال، يكون ظلًّا يسبقهم في كل خطوة، حتى وإن لم تلمسه أعينهم.
بعض الأطفال يفقدون آباءهم مبكرًا… لكنّ قلوبهم ترفض إعلان الفقد. يخترعون لهم أماكن على المقاعد، ووجوهًا في الأحلام، وظلالًا لا يراها أحد غيرهم.
وهذه قصة طفلة… لم ترَ أباها يومًا، لكنها عاشت
في دفء ظله، كما لو أنه لم يغادر أبدًا
"كانوا يسألوني: أين أبوكِ؟
فأشير إلى الظلّ… وأبتسم."
ليست كل الخسارات تُقاس بالدموع…
بعضها يُقاس بالظلّ الذي نمشي فيه،
واليد التي لا نراها… لكنها ترفعنا في صمت.
قصة "ظلّ أبي" ليست عن الفقد،
بل عن الحُبّ الذي قاوم الغياب…
وظلّ حيًا، في قلب طفلة تؤمن أن الذين يُحبوننا،
لا يرحلون أبدًا.
لم تكن سارة أكثر من طفلةٍ في الصف الثالث، تحمل ضفيرتين وشغفًا لا يُقاس بالحروف. في أحد الأيام، طلبت المعلمة من الأطفال أن يكتبوا موضوعًا عن "أبي"، وابتسمت وهي تقول:
"اكتبوا عن أبيكم، ماذا يفعل؟ كيف يبدو؟ ما الذي تحبونه فيه؟"
كان الطلب بسيطًا… وكان الجميع متحمّسين. إلا سارة.
جلست أمام الورقة البيضاء طويلاً، تحدّق فيها كأنها تنظر من نافذةٍ لا ترى خلفها شيئًا. ثم، بعد صمتٍ طويل… كتبت:
"أبي ظلّ… لا يراه أحد غيري."
في اليوم التالي، سلّمت ورقتها دون كلمة. وعندما قرأتها المعلمة، توقفت. كانت الجمل قليلة، لكنها كانت تضجّ بما لا يستطيع الكبار فهمه:
"أنا أحب أبي، لأنه لا يوقظني مبكرًا. ولأنه لا يصرخ في وجهي حين أخطئ . أبي لا يحمل أشياءً ثقيلة، لكنه دائمًا في ظهري. لا يأخذني إلى السوق، لكنه يرافقني كلما مشيت وحدي . لا يحضر اجتماعات المدرسة… لكنه يقرأ كراستي كل ليلة.أبي لا أحد يراه… لكنه عندي دائمًا."
أغلقت المعلمة الورقة، وعيناها تترنّحان بين الدهشة والدمعة.
في نهاية اليوم، جلست إلى جانب سارة وسألتها بلطف:
"حبيبتي… أين والدك؟"
فأجابت الطفلة بابتسامة لا تشبه عمرها:
"في الصورة اللي فوق سريري… بس دايمًا بييجي لي في الحلم."
صمتت المعلمة.
كيف تخبر طفلةً أن الظلال لا تُرى… وأن الذين يغيبون لا يُعانقون؟
كيف تُقنع قلبًا صغيرًا أن بعض الأسماء لا يُنادى بها إلا في الحلم؟
لكن سارة لم تكن بحاجة لتفسيرات الكبار…
فهي كانت تعرف.
كانت تعرف أن أباها رحل منذ كانت رضيعة.
وكانت أمها، في كل ليلة، تقص عليها قصته كأنها تقرأ من كتابٍ مقدّس.
تعلمت سارة أن الفقد لا يمنع الحب… وأن من يموت
لا يغيب حقًا.
ولذا، كلما رسمت عائلة، كانت ترسم أبًا بلا ملامح…
فقط ظلّاً طويلاً، بجوارها.
وحين سألها طفل ذات مرة في الفناء:
"أبوك فين؟ عمري ما شُفته!"
أجابت بثقةٍ تشبه الحكمة:
"أنتَ ما شُفتوش… بس أنا ماشية في ظله."
هكذا كانت سارة.
صغيرة بما يكفي لتُجالس الطفولة، وعميقة بما يكفي لتفهم الغياب.
وفي دفترها المدرسي، كتبَت ذات يوم:
"بعض الظلال أوفى من كلّ الحضور…
وبعض الآباء لا يعيشون معنا… بل يعيشون فينا."
مرت الأيام، وكانت سارة تكبر… لا في العمر فقط، بل في تلك المساحة الرمادية بين الطفولة والوعي.
كل من حولها كان يرى طفلة تضحك وتجري وتحلّ واجباتها بدقة، لكنها وحدها كانت تعرف أنها تمشي دومًا على ظلٍّ لا تراه سواها.
في كل مناسبة يُدعى فيها الآباء، كانت تأتي برفقة أمها. تجلس بهدوء، تضع حقيبتها في الكرسي المجاور، ثم تهمس قبل أن يبدأ الحفل:
"بابا هنا، بس مش الكل بيشوفه."
ضحك بعض الأطفال، وشعر البعض بالارتباك، لكن سارة لم تكن تهتم.
كانت تعيش في عالمٍ خاص، بنته من قصص أمّها، ومن الصور القديمة، ومن الأحلام التي كانت فيها دومًا بين ذراعيه.
كانت تكتب له في دفتر صغير، تخبئه تحت الوسادة، تكتب فيه:
"بابا، أنا حفظت جدول التسعة، وماما قالت إنك كنت شاطر في الحساب."
"بابا، المعلمة قالت إني بشبهك… بتفتكر كنت تحب صوتي؟"
"بابا، أنا كبرت، بس لسه نفسي تحكي لي حكاية وأنام."
وفي أحد الأيام، ضاعت الحقيبة.
ولم تكن حزينة على الكتب أو الأقلام… بل على ذلك الدفتر.
بكت سارة لأول مرة أمام زميلاتها، وقالت وهي تمسح دموعها:
"كان فيه رسائل لبابا… هو بس اللي يفهمها."
في المساء، أعاد أحد عمّال المدرسة الحقيبة. وجدها في الحديقة، وداخلها الدفتر.
فتحه المعلمة بحذر، وقرأت بضع صفحات… ثم سلّمتها لها دون كلمة، فقط دمعة كانت في عينيها.
منذ ذلك اليوم، تغيّر شيء في المدرسة.
بدأت كل معلمة، حين ترى مقعدًا فارغًا في احتفالات المدرسة، تقول:
"هذا المقعد لسارة… ولسُكّان الظل الذين لا نراهم، لكننا نُحبهم."
وسارة؟
كانت تبتسم.
لأنها تعلم جيدًا أن أباها ليس صورة على الحائط… بل ظلٌّ على قلبها، لا يغيب.
في عالمٍ يربط الحُب بالحضور، كانت سارة البرهان الحيّ أن بعض الأرواح لا تموت… وأن هناك آباءً، لا يربّون أبناءهم بأيديهم، بل بأثرهم… ويكفي أن تسير الحياة في ظلّهم،
حتى تنبت الطفولة دفئًا… ولو في غياب الأجساد.
سارة لم تكن استثناءً… كانت فقط أكثر صدقًا في الحب، وأقل خضوعًا لمنطق الغياب.
لم تطلب أبًا حاضرًا… بل أبًا يشعر بها من حيث هو.
لم تكن تبحث عن صورة تمشي… بل عن ظلٍّ تعرف ملامحه بقلبها.
وفي دفاترها الصغيرة، كتبت ما لم يفهمه أحد:
أن بعض الآباء لا يعيشون معنا… بل فينا.
وأن أطول ظلال الحياة… هي تلك التي نُحبها رغم الغياب.
التعليقات الأخيرة