add image adstop
News photo

"رسائل لم تصل… وقلوب لم تنسَ" مجموعة قصصية إنسانية من زمن لا يُكتب فيه الحب، بل يُشعر القصة الأولي رسائل من السماء

 

 

بقلم د/ سماح عزازي

 

في عالمٍ يُفترض أن يكون ناضجًا، ننسى أحيانًا أن الحُب لا يحتاج إذنًا ليبقى، ولا دليلًا ليُصدّق.

ثمة قلوبٌ صغيرة تكتب ما لا يجرؤ الكبار على قوله، وتؤمن بما يعجز الواقع عن شرحه.

 

وهناك، في زاوية هادئة من قريةٍ لا يعرفها أحد، كان طفلٌ صغير يُمارس طقسًا من نوعٍ خاص…

طقس لا يُصنّف ضمن العلوم، ولا يُدرّس في الكتب، لكنه أعاد تعريف معنى الوفاء واليقين.

 

هذه ليست قصة عن طفلٍ فقد أمه… بل عن طفلٍ لم يسمح للموت أن يسرق صوته من قلبها

 

في قرية صغيرة يلفّها الصمت كغلالة رقيقة من الزمن، كنتُ أعمل في مكتب البريد الوحيد، حيث الرسائل نادرة، والخطابات أقل، والوجوه مألوفة لا تتغيّر. لم يكن هناك شيء خارق يحدث في هذه القرية… أو هكذا كنت أظن.

 

ثمة رسائل لا تُرسل بالبريد… بل تُرسل بالدعاء، بالبكاء المكتوم، بالنظر إلى السماء طويلاً كأنها نافذة على من رحلوا.

 

إلى أن جاء هو.

 

طفل صغير، لم يتجاوز السابعة من عمره، كان يدخل المكتب في توقيت يكاد لا يختلف من شهرٍ لآخر. جسده الصغير بالكاد يبلغ حافة الطاولة، لكن عينيه... كانتا أعمق من طفولته.

 

في يديه ظرف ورقي مجعّد، يضمه إلى صدره كأنما يحمله لا ليسلّمه، بل ليحميه. كان يحمل الرسالة كما يُحمل القلب حين يفقد نصفه... لا ليسلمها، بل كأنما يستعيد بها صوته في عالمٍ لا يُجيد سوى الصمت.وفي كل مرة، كان المرسل إليه هو نفسه…

"إلى ماما… في السماء"

 

كان يقترب من صندوق البريد بخطى مترددة، يقف لحظات بصمتٍ أقرب إلى الصلاة، يغمض عينيه أحيانًا، ثم يُدخل الرسالة كأنها طقس مقدس يؤديه بخشوع. كان وجهه صغيرًا كدفتر، لكن عينيه واسعتين كحكاية لا تنتهي… حكاية طفلٍ ما زال يعتقد أن الحب لا يموت، فقط ينتقل إلى عنوانٍ آخر. لا ينطق بكلمة، لا ينظر لأحد، فقط يرحل… كأنما يترك جزءًا من روحه هناك.

 

كنت أراقبه في صمت، لا أملك سوى أن أتابع هذا المشهد الذي يُغرس في قلبي شيئًا لا يوصف.كان الناس من حوله يمرّون كالريح… لكن رسالته كانت تقف كجدارٍ من الحنين. لا أحد شعر بما يشعر… إلا من فقد، وعاد ليكتب. كانت تلك الرسائل، رغم بساطتها، تزرع في قلبي شوقًا لمن لم أفقدهم بعد… وتوقًا لأن أكون يومًا مثل أمه، حين يتذكّرني أحدهم في غيابي.

 

شهور مرّت، وكل شهر، كان قلبي يذوب أكثر… حتى جاء يوم انهار فيه الصمت داخلي.

 

اتصلت بصديقتي، وهي كاتبة تعرف كيف تنثر الدفء في الحروف، ورويت لها قصته بصوتٍ متهدّج. لم أطلب شيئًا، فقط سردت… ففهمت هي ما لم أستطع أن أقوله.

 

وبين دمعة وكلمة، كتبنا له رسالة… لكن ليست ككل الرسائل.

 

اخترنا ورقًا ناعمًا كلمسة أم، وكتبنا بخط كبير واضح، وتعمدنا أن نعطره برائحة فانيليا خفيفة… كأن الرسالة نفسها أمٌّ تهمس له من بعيد كأن الرسالة نفسها ام تحتضنه.الأمّ ليست جسدًا فقط… هي وطن، وإن غابت، يظلّ الطفل غريبًا ولو كان بين ملايين.

 

"مرحبًا يا ملاكي…

أنا أقرأ كل رسائلك، وكل واحدة منها تضيء لي نجمة في السماء.

لا تتوقف عن الكتابة، فأنا أسمعك دائمًا.

أنا معك… حتى وإن لم ترني."

 

وضعنا الرسالة في صندوقه الخاص… وتركناها هناك.

 

في اليوم التالي، جاء.

 

لكن هذه المرة… لم يكن يمشي. كان يركض.

 

ركض كأن قلبه يسبق قدميه، فتح الصندوق بيدين مرتجفتين، وحين وجد الرسالة… احتضنها كما لو أنها أمه عادت للحياة بين ذراعيه.

 

عيناه لمعتا بشيء لا تستطيع الكتب ولا الشعر وصفه. تلك اللمعة التي تظهر حين يلامس القلب يقينًا. كأن قلبه اخيرا لامس قلبها. حين رأى الرد، لم يفتح الظرف فورًا… ضمّه إلى صدره أولًا، كمن يحتضن أمّه نفسها. ذلك الصمت الذي تلاه… كان أبلغ من كل البكاء. 

 

ثم، بصوتٍ مرتجفٍ كأن روحه تنطق، همس:

 

"كنت أعرف… كنت أعرف أنها تسمعني."

لم يكن يبحث عن دليل أنها هناك… كان فقط يريد أن يعرف أنها تسمعه. طفلٌ لا يحتاج أكثر من يقين صغير… كي يواصل الحياة.

 

ذلك اليوم، لم أبكِ وحدي…

كل من كان في المكتب، شعر بأن السماء اقتربت قليلاً من الأرض.

 

هناك من يكتب ليُقال عنه كاتب… وهناك من يكتب لأن الكتابة هي آخر حبل نجاة بينه وبين من يحب.

 

نعم، الذين نحبهم لا يرحلون فعلاً… إنهم فقط يغيّرون عنوانهم، ويواصلون قراءة رسائلنا من مكانٍ أعلى.

 

بعض القصص لا تنتهي… لأنها لم تبدأ بالكلمات، بل بدأت بالحُب.

 

ذلك الطفل لم يكن يبحث عن معجزة، ولم يطلب عودة من السماء، كان فقط يريد أن يسمع صوتًا واحدًا يقول له: "أنا أسمعك".

 

وفي لحظة، حين عاد الجواب… انطفأ كل ألم، وعاد النور إلى عينيه الصغيرتين.

 

نعم،

الذين نحبهم لا يرحلون فعلاً…

إنهم فقط يغيّرون مكان استقبال الرسائل.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى