بقلم د/سماح عزازي
لم يكن فجر الثالث عشر من يونيو 2025 كغيره من الفجرات العابرة في سماء الشرق الأوسط. كان أشبه بوميض برقٍ في ليلٍ ساكن، اخترق أفق الجغرافيا السياسية بصخب الانفجار، ودوّى صداه في أروقة العواصم العالمية. فقد استيقظت إيران على وقع غارات جوية مركّزة ومباغتة، نفذتها إسرائيل تحت مسمى "عملية أسد النهوض"، مستهدفة منشآت نووية وعسكرية، في هجوم وصفه المراقبون بأنه الأكثر جرأة منذ عقود. وبينما تداعت ردود الفعل من طهران وتل أبيب وواشنطن، بدا وكأن العالم يتهيأ لمشهد جديد في مسلسل الصراع الذي لم تنطفئ نيرانه منذ عقود.
المشهد الميداني نيران الفجر
في عملية عسكرية واسعة النطاق ومُعَدّة بعناية، شنّت إسرائيل ضربات جوية دقيقة استهدفت عشرات الأهداف الاستراتيجية داخل العمق الإيراني. وقد تمثّلت أبرز النقاط المستهدفة في:
منشآت التخصيب النووي في نطنز، مع تقارير عن أضرار محتملة في مفاعل "فوردو".
مقارّ ومخازن أسلحة تابعة للحرس الثوري الإيراني في تبريز، كرمنشاه، وطهران.
مراكز قيادة عسكرية عليا، أسفرت عن مقتل ثلاثة من كبار قادة الحرس الثوري، من بينهم محمد باقري وحسين سلامي وأمير حاجي زاده.
وفي ظل الضربات المتلاحقة، دوّت صافرات الإنذار في عدد من المدن الإيرانية، تلاها انقطاع جزئي في شبكة الإنترنت، وإغلاق المجال الجوي الإيراني أمام الملاحة المدنية.
الرد الإيراني نذر التصعيد
ما إن انقشعت سحابة الدخان الأولى، حتى خرج المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي بخطاب غاضب وصف فيه ما حدث بأنه "عدوان وقح، سيفتح أبواب الجحيم على الكيان الصهيوني". وأضاف أن "الرد لن يكون عبر الكلمات، بل عبر أفعالٍ تُزلزل الأرض تحت أقدام المعتدين".
الردّ الفوري تمثل في إطلاق أكثر من مئة طائرة مسيّرة باتجاه شمال فلسطين المحتلة، بعضها اجتاز المجال الجوي الأردني والسوري، في إشارة إلى نيّة إيران توسيع رقعة المواجهة، إن استلزم الأمر.
وفي السياق ذاته، أعلنت القيادة العسكرية حالة الاستنفار القصوى، ودعت الحرس الثوري والقوات المسلحة إلى "الجهوزية الكاملة للردّ الشامل".
الموقف الإسرائيلي ضربة استباقية باسم الأمن القومي
من جانبه، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤتمر صحفي مقتضب قائلاً: "لن ننتظر حتى تمتلك إيران سلاحًا نوويًا يُهدد وجودنا… ما جرى هو رسالة واضحة، ولسنا مضطرين لتقديم اعتذارات".
وأكّدت وزارة الدفاع الإسرائيلية أن الضربات نُفِّذت بدقة، ضمن ما أسمته بـ"حق إسرائيل في الدفاع الوقائي ضد التهديدات الوجودية"، وأضافت أن "العملية ما تزال مفتوحة في حال لزم الأمر استكمالها".
وبينما شهد الداخل الإسرائيلي حالة من الترقب، دعت السلطات المواطنين إلى توخي الحذر، ونشرت بطاريات القبة الحديدية على امتداد الجبهة الشمالية والجنوبية.
الولايات المتحدة دعم مشروط وحذر من التصعيد
البيت الأبيض، عبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبّر عن دعم بلاده الكامل لإسرائيل، مؤكدًا أن "العملية جاءت نتيجة تقاعس إيران عن الامتثال للاتفاق النووي"، غير أنه شدّد في الوقت ذاته على أن الولايات المتحدة لم تشارك في الهجوم، وأنها "تتابع الوضع عن كثب لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة".
وقد حذّرت وزارة الدفاع الأمريكية إيران من استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة، مؤكدة استعداد القوات الأمريكية في الخليج لأي طارئ، في ظل نقل محدود لبعض الوحدات إلى قواعد خارج النطاق المباشر للخطر.
وبينما رحّب بعض أعضاء الكونغرس بالعملية ووصفوها بـ"الناجعة والحاسمة"، أبدى آخرون مخاوفهم من تداعيات قد تعصف بمصالح واشنطن في الشرق الأوسط.
ردود فعل دولية وأسواقٌ مضطربة
العملية الإسرائيلية أحدثت ارتدادات فورية في الساحة الدولية:
روسيا والصين أدانتا الهجوم، ووصفتاه بـ"العدوان السافر".
المملكة المتحدة وفرنسا دعتا إلى ضبط النفس والعودة للمفاوضات.
دول الخليج العربي التزمت الصمت الحذر، وإن أبدت بعض الدوائر فيها تفهماً للمخاوف الأمنية من إيران.
أما الأسواق العالمية فقد استجابت بقلق شديد:
قفزت أسعار النفط بنسبة 8% في الساعات الأولى، متجاوزة حاجز 85 دولارًا للبرميل.
صعد الذهب كملاذ آمن، بينما شهدت أسواق الأسهم تراجعات ملموسة في أوروبا وآسيا
قراءة استراتيجية هل نشهد بداية حرب إقليمية؟
لا شك أن الضربة الإسرائيلية تحمل أبعادًا تكتيكية واستراتيجية بالغة الخطورة:
من الناحية العسكرية: العملية كشفت هشاشة الدفاعات الإيرانية رغم ما يُعلن عن قدراتها، لكنها في المقابل قد تُطلق العنان لردود "غير تقليدية" تشمل أذرع إيران في العراق، اليمن، سوريا ولبنان.
من الناحية السياسية: إسرائيل وجدت في هذا التوقيت فرصة مناسبة لتوجيه ضربة مانعة، خاصة بعد فشل المحادثات النووية، وتزايد القلق من برنامج طهران الصاروخي.
على الصعيد الإقليمي: المنطقة تقف على شفا صراع أوسع، قد يمتد إلى مضيق هرمز، ويهدد أمن الطاقة العالمي، ويعيد رسم خارطة التحالفات التقليدية.
زمنُ المفاجآت الكبرى
ما حدث فجر اليوم في إيران ليس مجرد ضربة عسكرية، بل تحول استراتيجي يضع الشرق الأوسط أمام منعطف حاسم. فالدماء التي سالت في طهران، والتصريحات النارية المتبادلة، قد تكون بداية فصل جديد من المواجهة الصامتة التي طالما هددت بالتحول إلى حرب شاملة.
إننا أمام معادلة معقدة: إيران الجريحة ولكن العنيدة، إسرائيل الجريئة ولكن المحاصَرة، وواشنطن الحذرة ولكن المتورطة دومًا. وفي ظل غياب وسطاء قادرين على نزع فتيل الأزمة، يبقى السؤال الكبير مطروحًا:
"هل بات الشرق الأوسط يكتب فصله الأخير... أم أن في قلب العاصفة ما يوقظ العقلاء؟"
المصادر:
وكالة الأسوشيتد برس – 13 يونيو 2025
صحيفة فايننشال تايمز – تقرير خاص
وزارة الدفاع الإسرائيلية – بيان رسمي
وكالة مهر الإيرانية – نشرة الصباح العسكري
قناة الجزيرة – متابعة مباشرة
قناة CNN – لقاء مع ترامب
رويترز – تحليل ما بعد الضربة
FT وThe Guardian – تقارير تحليلية
بيانات البورصات العالمية (NYMEX - Bloomberg)
التعليقات الأخيرة