بقلم د/سماح عزازي
في البدء، لم تكن الحكاية مجرد وسيلة للتسلية، ولم يكن السرد ضربًا من الخيال الجامح،ولا الأسطورة وهماً للجهلاء،
بل كانت ضرورة وجودية تصنع الذاكرة، وتؤسس للهوية، وتمنح الجماعة البشرية القدرة على إدراك ذاتها في مواجهة الزمن. فكما كانت الجغرافيا تشكّل الأرض، كان التاريخ يصوغ الوجدان، والأسطورة تملأ الفراغ بين الحدث والمعنى، بين الواقع والمأمول. لم تكن الأمم تُدوّن تاريخها لتسرده فقط، بل لتؤسس من خلاله شرعية الحاضر وتبني على أطلاله مشروع المستقبل
لقد ظل الإنسان، منذ فجر الحضارة، يخشى النسيان أكثر مما يخشى الموت، ولهذا ابتكر الأسطورة ليربط الماضي بالحاضر، ويُخلِّد رموزه في ذاكرة الجمعية، سواء كانوا ملوكًا أم كهنة أم آلهة. ولعلّ أبرز ما يميز حضارات الشرق القديمة – من وادي النيل إلى ما بين النهرين – أنها لم تكن تسجل الوقائع كما جرت، بل كما يجب أن تُروى.
لقد أدركت الحضارات الكبرى هذا المعنى باكرًا. ففي وادي النيل، حيث ولدت الدولة المركزية الأولى، لم تُكتب البرديات لتسجل الحوادث فقط، بل لتمجيد الفِعل الرمزي والسيطرة على الحكاية وفي هذا السياق، لم تكن بردية وستكار[1]، مجرد نص فرعوني أسطوري يتحدث عن سحر الملوك لم يكن سَرد ملوك الأسرة الخامسة مجرد حكاية مسلية، بل محاولة ذكية لإزاحة شرعية حكم الأسرة الرابعة، عبر تغليف التاريخ بالأسطورة، وتطعيم السلطة بالقداسة، بل كانت وثيقة رمزية تشي بأن الصراع على السلطة في مصر لم يكن سياسيًا فحسب، بل روحانيًا وثقافيًا أيضًا. لقد أراد الكهنة من خلال تلك الأساطير أن يُعيدوا تشكيل الرواية، ويعيدوا صياغة شرعية الحكم. فالأسطورة هنا لم تكن خيالًا مجنونًا، بل أداة لإعادة ترتيب الحقائق وفقًا لمنظور السلطة والمعنى المقدّس.
وليس في ذلك ما يُعيب. فكل أمة، حين تنهض، تُنقّب في أساطيرها، وتُعيد لها البريق لتؤسس وجدانًا جمعيًّا موحدًا. فاليونان لم تنهض بفلسفة أفلاطون وحده، بل بأساطير هوميروس، وروما لم تتّكئ على القانون وحده، بل على أسطورة "رومولوس وريموس" المؤسِّسة. بل حتى المشروع الصهيوني – وهو الأخطر – لم يكن ليستمد شرعيته من الواقع، بل من أسطورة “أرض الميعاد” و"شعب الله المختار" التي زُرعت بذكاء في ذاكرة الغرب، ثم استُنسخت سياسيًا في العصر الحديث.
ومن هنا، تتجلى المفارقة: فبينما أحسنت الحضارات القديمة استخدام الأسطورة كوسيلة لبناء الوعي، نجد أن واقعنا العربي المعاصر قد فرّط بها تحت ذريعة "العلمية" و"الحياد"، وهو حياد هشّ أفضى إلى نسيان حكايتنا الأصيلة، وفتح المجال لسرديات دخيلة تتسلل عبر المناهج والإعلام
وهنا تكمن المعضلة العربية المعاصرة: لقد فشلنا في كتابة التاريخ كما يجب أن يُروى. قزّمنا الحكاية، واحتقرنا الأسطورة، واختزلنا الذاكرة في تواريخ مدرسية جافة لا تصنع انتماءً، ولا تثير خيالًا، ولا تُشعل حلمًا. فبدل أن نعلّم أبناءنا عن العز بن عبد السلام وهو يواجه التتار، نُفرط في تمجيد معاهدات الهزيمة، وبدل أن نحيي ذاكرة الأندلس، نُمعن في اجترار انكسارات سايكس بيكو.
التاريخ، حين يُكتب بالأرقام فقط، يصبح وثيقة باهتة، أما حين يُروى بالرؤية والرمز والوعي، يصبح ذاكرة حية تُقاوم التزييف. إن أعداء الأمة يدركون ذلك جيدًا، ولذا فإن أول ما يفعلونه حين يحتلون أرضًا هو إعادة كتابة التاريخ بلغتهم. من هنا كان محو الذاكرة، وتبديل الحكاية، أخطر من تدمير المدن. فما قيمة الجغرافيا إن كانت الذاكرة مشوّهة؟ وما قيمة الأرض إن لم تُروَ حكايتها بصوت أهلها؟
حين نروي تاريخنا لأطفالنا، علينا ألّا نخجل من الأسطورة،
بل أن نحسن استخدامها. الأسطورة ليست كذبة، بل رمزية تتجاوز التفاصيل نحو الجوهر. وهي حين تُروى بلغة راقية، تصنع وعيًا لا يُهزم، وتبني جدارًا من المعنى في وجه السرديات المسمومة التي يُراد لها أن تُصبح الحقيقة الوحيدة.
لقد آن الأوان أن نعيد النظر في طريقة روايتنا لتاريخنا. أن نتحرر من عقدة "الموضوعية الجامدة"، ونتبنى رواية تعيد الاعتبار للبطولة، وللمعنى، وللرمز. ليس لنخدع أنفسنا، بل لنواجه بها آلة الخداع الأكبر التي تُمارَس ضدنا منذ قرون.
فالتاريخ، كما يُكتب، قد يُنسى.
ولكن التاريخ، كما يجب أن يُروى... لا يموت.
فالمشروع الصهيوني، على سبيل المثال، ما كان ليترسّخ لولا أنه بُني على أسطورة "الحق التاريخي" في فلسطين، والمزج بين نصوص التوراة والتاريخ السياسي الحديث. فقد نجح في إقناع الغرب، بل وأجزاء من العرب، بأن لتلك الجماعة الحق في الأرض بناءً على "رواية مقدسة"، حتى وإن تناقضت مع الحقائق الجغرافية والديموغرافية[2].
ولذلك، فإن معركة الوعي اليوم ليست مجرد صراع على الجغرافيا، بل صراع على السرد. من يكتب التاريخ، هو من يملك المستقبل. وإذا لم نُعيد تشكيل سرديتنا بأنفسنا، فسيكتبها غيرنا بما يخدم مصالحه، لا ذاكرتنا.
وليس المقصود هنا تزوير الحقائق أو تزيين الإخفاقات، بل استعادة القدرة على الحكي الحيّ. أن نروي لأبنائنا عن طارق بن زياد، لا عن صفقات الأندلس الأخيرة. أن نُحيي ذاكرة بيت المقدس، لا أن نُفرط في تسويغ التطبيع. أن نصوغ سردية كبرى، لا تقوم على الطائفة أو المذهب أو القُطر، بل على وحدة الوجدان العربي، ذلك الذي كاد يضيع في زحام "المناهج المستوردة".
فكما نهضت الأمم الكبرى من رمادها، عبر سرديات حية وأساطير مؤسِّسة، نستطيع نحن أيضًا أن نبعث من رمادنا، إذا امتلكنا الشجاعة لنروي تاريخنا كما يجب، لا كما يريد الآخرون.
بين الحكاية والسيادة
التاريخ ليس ماضيًا جامدًا، بل مشروع وعي متجدِّد. وإن أمة بلا سردية، هي أمة قابلة للطمس والنسيان، مهما عظُمت مساحتها أو كثُر عددها. فلنكتب، ولنروِ، ولنبعث المعنى من بين ركام الوقائع. فربّ حكاية صادقة، تُوقظ أمة نائمة، وتمنحها روحًا جديدة في زمن الخرائط الباردة.
لا يولد الانتماء من الأوراق، بل من الحكايات. ولا تنهض الأمم بتواريخ مقطوعة من سياقها، بل بذاكرة تمتد في أعماق الروح، وتتجذر في الحاضر لتصنع المستقبل. نحن لا نطالب بتزييف الماضي، بل بإعادة كتابته بروح مَن عاشوه، لا بمنطق مَن هزموه. ولعلّ أول خطوة نحو الخلاص، أن نستعيد القدرة على الحكي، على السرد، على أن نروي تاريخنا... كما يجب أن يُروى.
مراجع توثيقية:
1. بردية وستكار (Westcar Papyrus):
من أهم البرديات السحرية في الأدب المصري القديم، تعود إلى الدولة الوسطى، وتتضمن خمس حكايات سردها أبناء الملك خوفو عن السحرة، وأشهرها نبوءة ولادة ملوك الأسرة الخامسة من أم كاهنة لإله الشمس "رع". تُظهر كيف استخدم الكهنة الأسطورة لتقويض شرعية السلطة الملكية القائمة.
2. انظر: إدوارد سعيد، "مسألة فلسطين"، دار الآداب، 1981.
يؤكد المفكر الفلسطيني أن الرواية الصهيونية لم تكن أكثر من "استراتيجية سردية" لإعادة تشكيل الإدراك الغربي تجاه فلسطين. فقد اعتمد المشروع الصهيوني على أسطرة التاريخ لتبرير الكولونيالية الحديثة.
3. ميثولوجيا الأمم: كيف تصنع الحكايات مشروع الدولة، تأليف يوسف زيدان، دار الشروق، 2008.
يناقش الكتاب أثر الأسطورة في بناء الدولة الحديثة، ويُبرز أهمية توظيف السرد التاريخي في خدمة الهوية الثقافية.
4. فرانسيس فوكوياما، "الهوية: المطالبة بالكرامة وسياسة الاستياء"، 2018.
يشير إلى أن المجتمعات لا تتماسك بالمصالح المادية فقط، بل تحتاج إلى رواية كبرى تُعبّر عن كرامتها وهويتها.
التعليقات الأخيرة