بقلم د/ سماح عزازي
أتُطالبني بالبعادِ، وتُعاقبني بالجفاءْ؟
ألهذا الحدّ جهلتَ قلبي، وما عرفتَ الوفاءْ؟
أما خشيتَ من الزمانِ، أن يَسخَرَ من عنادكْ؟
فحُبّي، رغم البعادِ، سيأتي بك... ويُنادِكْ
حسنًا، فاذهبْ بعيدًا، بعيدًا جدًّا عن عيوني
تجاهلني، وانسَ حتى حروفي واسمي وشجوني
لكنْ، عُدني — أرجوك — أن تحفظَ قلبك بعدي
وأن تبحثَ عن منْ يأويك، كما قد كانَ وِسادي
ابحثْ عن روحٍ تضمّك، كما كنتَ في جسدي
تَهَبُكَ فرحًا خالصًا، وتسلبُ حُزنك الأبدي
وإنْ خطبَ ودّها غيرُك، قالتْ له في ثباتْ:
"أنا امرأةُ رجلٍ واحدٍ، ومَن سواهُ… مماتْ"
عُدني ألّا تبقى كما كنتَ… متكبرًا في الغرامْ
تُكابرُ في صدّي، وتسعدُ بعصياني… والملامْ
أخافُ عليك من فِراقٍ، من ألمٍ بعد غيابِ
فَكُنْ مستعدًّا لذكراي، ولفقدي… والعذابِ
ستبحثُ عني في الزوايا، في الزحامْ
ستشعرُ بي في صمتي، في السلامْ
سأكونُ معك بروحي… لا تَراني
لكنني لن أعود، وإن ناديتَ… مكاني
عُدني أن تستوعبَ فِراقي… أن تنساني
وأن تُطفئَ ما كانَ بيننا… في كياني
وبالمقابلِ — أقسمُ — أنا الأُخرى
سأحفظُ عُهودَ حُبٍّ لم تَفِ بها الدُنيا
سأتركُ صدى صوتِك في قلبي حيًّا
وأظلُّ أسمعه… في ليلي سخيًّا
سيبقى عشقُك رابطًا في دمي
ينادي قلبي… ويهمس بإسمِكْ باسمي
وحتى إن طالَ العُمر، وتبدّلت الأيامْ
سأبقى كما كنتُ… لا تُغيّرني الأعوامْ
حبيبتك، أميرتك، أسيرتك في الهيامْ
امرأةُ رجلٍ واحدٍ…
ولنْ يمتلك قلبي سِواك… على مرِّ الزمانْ
وإن غبتَ عن عيني... فنبضي لا يراكْ
ولا شوقي يُراوغني… ولا قلبي اشتاكْ
فقد علّمتني الأيامُ كيف أنجو من الحنينْ
وأدفنُ وجعي في صدري، وأُطفئُ كلّ أنينْ
أنا التي حينَ تُكسر، تضحكُ باحترافْ
وتُخفي خلف جُرحِها، عزةً… واعترافْ
بأن الهوى جميلٌ، لكنه لا يُعبدُ إلا بالكرامةْ
وأن الوفاء عطاءُ نفسٍ، لا يُشترى بكلمةِ ندامةْ
فلا ترسلْ لي سلامًا، لا تحملْ لي اعتذارْ
ولا تُخبرني بأنّك كنتَ تحت تأثير انكسارْ
قد اخترتَ الغيابَ، ومضيتَ دون وداعْ
فلا تطرقْ بابَ قلبي، إن أتاكَ منّي الشعاعْ
سأمضي، وأعرفُ كيف أُلملمُ روحي
وأكتبُ على قلبي: "ما عادَ يُجدي بُكائي أو نُصحي"
سأهديكَ ذكرى بيضاء، لا تشوبُها الملامةْ
وأمضي في طريقي، شاهقةً… مليئةً بالكرامةْ
فلا تحزنْ على قلبٍ كانَ لكَ وطنًا
ولا تندمْ على امرأةٍ… جعلتكَ سكنًا
فأنا لستُ ظلًّا يُلحقُ بكَ، أو ذِكرى تُهملُ في النسيانْ
أنا حكايةُ عزٍّ... كتبتُها بالوجدانْ
سأظلُّ كما كنتُ… امرأةً لا تُنسى
جميلةً في حضورِها، ساميةً في غيابِها
لا تنتظرُ أحدًا، ولا تُغلقُ بابَها
لكنّها تعرفُ متى تلوّحُ… ومتى تُنهي الخطابْ
فامضِ حيثُ شئتَ… لكن لا تعُدْ مُعتذرًا
فبعضُ الفُراقِ لا يُلأم، وبعضُ القلوبِ لا تنتظرْ
وسأبقى أنا… كما عرفْتني أولَ مرّةْ
قويةً… لا تلتفتُ، إن جرحتها المرّةْ
وإن مرّت سنونُ العمرِ من دوني ومن دونَكْ
وأنبتَ الدهرُ في قلبك زهرةً… ليستْ بجنونَكْ
ستدركُ يومًا — بعد طولِ التيهِ — مَن كنتُ
ومن كانت تُهديكَ عمرَها، وتخشى عليكَ حتى سُكوتَكْ
ستسألُ الطرقاتَ عنّي، عن ظلي في المكانْ
عن صوتي الذي كانَ يُناديك كلّ مساءٍ… بأمانْ
عن عينيّ التي كانتْ تُغنيكَ عن كلّ النساءْ
عن حضني الذي كانَ وطنًا… دونَ قيدٍ أو عناءْ
لكنّي، حينَ تُدركُ كلَّ هذا… لن أكونْ
سأكونُ ذكرى نقيةً، مرتْ كنسمةِ سكونْ
سأكونُ تلك القصيدةَ التي لم تُكملْها
وذاكَ الحُلمَ الذي، في غفلتكَ، أضعتَ معناها
فلا تلُمني حينَ أُديرُ وجهي للبعيدْ
ولا تحزنْ إنْ وجدتَني على الحنينِ شديدْ
فأنا — وإنْ قسوتُ — ما خُنتُ العهودْ
لكنني تعبتُ من انتظارِ ما لا يعودْ
أنا كما أنا… أنثى من ضوءْ
تعرفُ متى تمنحُ… ومتى تقطعُ الرجاءْ
أنا التي إنْ أحبّت، جعلتَ قلبكَ سماءْ
وإنْ رحلتْ… غابتْ بكلّ الكبرياءْ
فاحفظْ لي مكاني في قلبكَ، وإن كانَ خاليًا
ولا تحاول أن تمحو ملامحي… فستبقى باقيَة
ولا تُغريكَ الأيامُ بأنّي نسيتْ
فبعضُ الحبِّ — وإن ماتَ — لا يُميتْ
وإنْ سافرتَ بعيدًا، وركبتَ مراكبَ النسيانْ
وأنستَ أنني كنتُ لكَ وطنًا… وأمانْ
ستفاجئكَ لحظةُ صدقٍ… في قلبِ الليلِ الصامتْ
تُناديك باسمي، وتهمسُ: "يا ليتَني ما خنتْ"
سيمرُّ طيفي كالعطرِ، في ثوبِ المساءْ
يذكّركَ بضحكتي، بنبضي، ببكاءِ السماءْ
سيحملكَ الحنينُ إلى رسائلي القديمةْ
إلى تلك الأنثى التي كانتْ… فيك عظيمةْ
لكن لا تطرق بابي… لا تعدْ منكسِرَ العذرْ
فبعضُ الغيابِ خيانة، وبعضُ العودةِ كَفرْ
وأنا التي وهبتُك قلبي، لم أعدْ كما كنتُ
تعلمتُ من وحدتي أنني لا أُكسرُ إن أنتَ خنتْ
أعدتُ ترميمَ روحي، ورتّبتُ حزني في صمتِ
ورفعتُ جدارًا بيني وبينكَ… يمنعكَ من لمسي وهمسي
وأعدتُ لقلبي كرامتَهُ، وتاجَهُ المُضيءَ
فلستُ لكَ بعدُ الآنَ… ولن أكونَ لما انطفأ فيكَ ضيًّا
دعني أذكّركَ أخيرًا — إن نسيتْ —
أنا امرأةٌ لا تُنسى، ولا تُبدَّلُ إن غابتْ
أنا من كانت إنْ أحبّت، أهدَتْكَ العُمرَ كاملًا
فإنْ خذلتَها… فارحلْ، ولا تَطلبْ بعد الفوتِ وصالًا
فامضِ الآن حيث تشاءْ…
فما عدتُ أنتظرُ صوتك، ولا أُصغي للرجاءْ
لقد طويتُ حكايتنا بين صفحاتِ المساءْ
وتركتُها للرياح… تقرؤها، ثم تُلقي بها في الفضاءْ
أنا الآن مرآتي، وكفايتي، وسرُّ نجاتي
أنا التي تُضمدُ جرحَها، وتُكمِلُ الحكايةَ بثباتِ
لم أعد أبحث عنك… في المدى أو في الذكرياتِ
فقد أدركتُ أني أنا البداية… وأنا النهاياتِ
وسأبقى كما كنتُ… حين كنتُ لا تُدركُ قيمتي
قمري لا يُطفئه غيابُك، ولا تُبهتُهُ ظلمتي
فإياك أن تعودَ، حين لا يبقى لكَ في القلبِ مكانْ
فبعضُ القصص لا تُعاد، وبعضُ الغياب… أمانْ
التعليقات الأخيرة