بقلم د/سماح عزازي
الغيابُ العدوُّ بكل الجهات،
يهاجمُ في القلبِ دون الرأفات،
يغزو ويُحرقُ دون اعتبارات،
ويقطف من الودِّ كل البدايات.
يجمعُ دمعَ العيونِ البُكاة،
ويقتل زهرَ الهوى في الصفات،
ويذبلُ ليلَ الحنينِ الطويل،
ولا يُبقي غيرَ سهادِ السُبات.
يُحاربُ في العينِ نومَ السُهاد،
ويزرعُ في القلبِ شوقَ الأموات،
ويتركُ جُرحَ الحنينِ غُصاة،
كأنَّ الفؤادَ بلا نبضِ ذات.
ذكرياتُ الأحبّةِ تُبكي السكوت،
منهم أحياءٌ خذلتهم المسافات،
ومنهم تحتَ الترابِ استراحوا،
رحلوا... وخلّفوا عبرات.
أيّها الغيابُ، الزمِ الحدَّ صمتًا،
فكفَى قلوبًا أذابتها الحسرات،
أنفُسٌ تعبتْ من وجعِ البُعد،
ومن جورِ أيامك القاسيات.
انفُضْ عن القلبِ غبارَ اشتياق،
أتلفتَ كم من جميلِ العلاقات،
فجعلتَ بين الأحبّةِ سدًّا،
وأقمتَ من الغُربةِ حاجزَ آهات.
من يُحاربُ لأجلِ الرجوعِ إليك؟
ومن فقدَ الحلمَ في لحظات؟
تحوّل في ظلّكَ الحيُّ ميتًا،
وسكنتَ القلوبَ كأقسى الممات.
أيها الغيابُ، لو كنتَ بشرًا،
لأعلنتُ ضدّك ألفَ نكبات،
ففيك انتهتْ ضحكاتُ الليالي،
وفيك انتهتْ كلُّ الأمنيات.
أرهقتَ فينا دروبَ اللقاء،
وأطفأتَ في القلبِ كلَ اللُمعات،
سرقتَ الضياءَ من الوجنتين،
وخلّفتَ في الروحِ ألفَ شتات.
بكيناك في كلّ وقتٍ مضى،
وهمسْنا فيك بألف الدعوات،
فمن ذا الذي لم تُذِبْه الليالي،
ومن ذا نجا من نزيفِ السكّات؟
عطشنا لحرفٍ يداوي الجروح،
ويُحيي بقايا قد ماتت مرات،
ولكنك الريحُ... تأتي بلا وعد،
وتتركُنا في العراءِ رُفات.
علّمتنا البعدُ دروسَ الفِطام،
وكيف نُدارِي لهيبَ اللُهاث،
وكيف نُخبِّئُ دمعَ العيون،
ونمضي بثقلِ الأسى والخُطاة.
فلا كلُّ من غابَ عنّا جفا،
ولا كلُّ قربٍ دليلُ الثبات،
فكم من حبيبٍ تأنّقَ في البُعد،
وكانَ اللقاءُ له كالكِمات.
تعوّدْتُ صمتَ الدروبِ الطويلة،
وأن أرتقَ الشوقَ بالذكريات،
أُربّتُ على وجعي كالصديق،
وأهدهدُ قلبي بآياتِ نجات.
فيا غائبًا عن مدى العينِ دومًا،
ويا ساكنًا في دمي والصفات،
رجائي إليكَ... إذا جفّ وصلك،
فلا تجحدنّي ولو بالسلامات.
سأبقى هنا بين صبرٍ ونور،
أُقاومُ في القلبِ كلّ الشتات،
فإن كنتَ تعرفُ ما في الحنايا،
فعد... قبلَ أن ينطفئُ النداءات
ولكنْ... سيأتي ربيعُ القلوب،
ويُزهرُ في الصدرِ كلُ النبات،
فما من غيابٍ يدومُ كثيرًا،
وما من ظلامٍ بلا نفحات.
سيفتحُ فجرُ اللقاءِ يديه،
ويعزفُ في الدربِ أحلى النغمات،
فلا تيأسوا من وصالٍ قريب،
فبعدَ الليالي... تعود الحياة.
رجائي إليكَ إذا كنتَ تسمع،
فلا تُطفئ القلبَ بالذكريات،
تعالَ ولو مرةً في المنام،
ففي الحُلمِ تُشفى بعضُ اللوعات.
رجائي... إذا طال هذا الغياب،
ألاّ تنسى عهدَنا والصفات،
فما زلتَ تسكنُ بين الضلوع،
وتزهرُ في القلبِ مثل الدعوات.
وفي آخرِ الحرفِ نبضي يقول:
سأبقى على العهدِ رغم الشتات،
فإن عدتَ يومًا... فقلبي طريق،
وإن لم تعُد... فلك الدعوات.
سأمضي بنورِ الرجاء الجميل،
وأحملُ صبري بكل الثبات،
فمن يُخلصُ الحبَّ لا ينكسر،
وإن طال غيمُ الغيابِ... فآت.
التعليقات الأخيرة