بقلم د/سماح عزازي
أنا لا أعلم لماذا، كان هناك شيء بداخلي يرفض الصمت.
كلّما قررت أن أسكت، استيقظ بداخلي صوت لا أملك له إسكاتًا، كأنه يقول لي: كفى كتمانًا…
لكنني أؤمن أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام،
وأن ما يعتمل في داخلي ليس صمتًا، بل بحرٌ هائج،
أمواجه من الكلمات، وجدالات النفس، وحنين لصحوة لا تأتي.
صراع خفيّ يجعلني أتعامل مع العالم وكأنني مستيقظة من حلمٍ ثقيل، حتى تأتي لحظة… تخرج فيها كل تلك الكلمات،
كفيضانٍ اندفع من رحم الصمت،
تفضفض النفس، وتفتح أبوابها المغلقة،
وتطلق ما كان يثقل صدرها إلى الفضاء،
لعلّ البوح يكون خلاصًا.
لكن البوح ليس دائمًا مريحًا…
فأحيانًا، حين تخرج الكلمات، لا تُفهم،
وأحيانًا، تبدو سخيفة بعد أن كانت عظيمة في صدري.
وأسأل نفسي : هل كنت أحتاج أن أتكلم حقًا؟
أم أنني كنت فقط أحتاج أن يحتويني أحد،
يصمت معي، لا يسأل، لا يحكم،
فقط يظل بجانبي حتى تمر العاصفة؟
تمرّ عليّ لحظات أشعر فيها أنني مليئة بالكلمات،
لكن لا أريد منها أن تُقال،
أريدها فقط أن تُفهَم…
أن ينظر أحدهم في عينيّ، ويعرف دون شرح،
أن الصمت الذي أعيشه ليس خواءً،
بل امتلاءٌ موجع… كثيف… حقيقي.
أحيانًا أكتفي بأن أكتب.
الورق لا يحكم، ولا يخذل،
الورق يصمت معي… ثم يكتبني.
لهذا أعود إلى الكتابة كلما تعبت من كل شيء،
كلما شعرت أنني لا أنتمي لأي مكان،
كلما خذلتني الكلمات في الخارج،
أجدها هنا، بين سطورٍ لا يقرؤها أحد إلا أنا.
وربما هذا ما أحتاجه فعلًا…
أن أكتب لأتذكّرني،
أن أدوّن حزني كي لا أنساه في زحام التظاهر بالقوة،
أن أضع نقطة آخر السطر، فقط لأستطيع البدء من جديد.
ولهذا أكتب...
ليس لأنني أملك شيئًا مهمًا لأقوله،
بل لأن داخلي مزدحم بما لا يُقال.
كأنني أحمل صندوقًا قديمًا من المشاعر المؤجلة،
ذكريات لم تُغلق جيدًا،
وجروح ظننتها التأمت، لكنها تنزف كلما مرّ عليها ظلّ كلمة أو وجه.
الكتابة ليست ترفًا بالنسبة لي،
إنها وسيلتي للبقاء،
لترميم ما انكسر في داخلي بهدوء،
بدون ضجيج الشكوى، وبدون الحاجة لتفسير كل شيء.
كم مرة ضحكت وأنا أبكي من الداخل؟
كم مرة قلت "أنا بخير" وفي صدري تنهيدة لم تجد طريقها للخروج؟
أنا بارعة في التظاهر، وفي الإنكار، وفي الصمت…
لكنني لست قوية كما أبدو،
أنا فقط متعبة… وأحاول أن أستمر.
أحيانًا أنظر لنفسي في المرآة،
ولا أرى سوى نسخة باهتة منّي،
امرأة تحاول أن تُرضي الجميع، أن تتحمّل،
أن لا تكون عبئًا على أحد،
لكنها في الحقيقة…
تحتاج لمن يحتضن صمتها قبل كلامها.
ليت الناس تعلم أن الهدوء ليس دائمًا سلامًا،
وأن الانسحاب ليس دائمًا هروبًا،
بل هو محاولة يائسة للنجاة.
أنا لا أريد الكثير…
أريد فقط مساحة آمنة أكون فيها على طبيعتي،
بلا أقنعة، بلا أحكام، بلا وجع مكرر.
ولهذا، سأظل أكتب…
حتى إن لم يقرأني أحد،
حتى إن بقيت هذه الحروف حبيسة الدفاتر،
هي تشهد أنني كنت هنا،
أنني شعرت، وتألمت، وصبرت،
وحاولت أن أشرح نفسي للعالم،
بطريقتي.
سأكتب لأنني أستحق أن أُفهم،
حتى لو كان الفهم يأتي متأخرًا… أو لا يأتي أبدًا.
سأكتب لأن قلبي تعب من الصمت،
ولأن في الكتابة عزاء لا يشبهه شيء.
وفي النهاية…
أنا لا أبحث عن إجابات،
ولا عن ضوء في آخر النفق،
كل ما أريده — الآن، في هذه اللحظة —
هو أن أضع رأسي على كتف الوقت،
وأقول له بصوتٍ مكسور:
"مهلًا… لقد تعبت."
التعليقات الأخيرة