بقلم د/سماح عزازي
في قلب القاهرة، وتحديدًا بميدان التحرير، يقف المتحف المصري شامخًا، كأنه حارس الزمن، يطل على المدينة بعينين من حجر، ويهمس لكل من يقترب منه: "هنا وُلد التاريخ، وهنا تسكن حضارة ما تزال تنبض بالحياة".
ليس مبنى عتيقًا فحسب، بل صرحٌ وطنيٌّ وإنسانيٌّ يحمل بين جدرانه عبق آلاف السنين، ويختصر في قاعاته الشاسعة حكاية شعب صنع مجدًا لا يزال يبهر العالم حتى اليوم.
النشأة... بين الحلم والرسالة
بدأت فكرة إنشاء المتحف المصري في وقتٍ كانت فيه الآثار المصرية تتعرض للنهب الممنهج، على يد البعثات الأجنبية وهواة جمع التحف في أوروبا. وكان العالم الغربي يُبدي ولعًا جنونيًا بالحضارة الفرعونية، حتى أصبحت الكنوز المصرية تُباع في المزادات، وتُزين قصور الأمراء والمتحف الأوروبية الكبرى.
وكان أول من نادى بضرورة حماية الآثار المصرية العالم الفرنسي أوجوست مارييت، الذي أسّس مصلحة الآثار عام 1858، وأنشأ أول مخزن للآثار ببولاق. لكن هذا المخزن لم يكن ملائمًا لحجم الكنوز ولا لمكانة الحضارة، فبدأ الحلم يكبر.
وفي عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، اتُخذ القرار التاريخي: بناء متحف يليق بحضارة بحجم مصر. فتم تخصيص أرض في ميدان الإسماعيلية (التحرير حاليًا)، وطرحت الحكومة مسابقة عالمية لتصميم المتحف، فاز بها المعماري الفرنسي مارسيل دورنون، وتم وضع حجر الأساس في عام 1897م، بحضور الخديوي وكبار رجال الدولة.
وفي 15 نوفمبر 1902م، افتُتح المتحف رسميًا، ليكون أول متحف أثري متكامل في الشرق الأوسط، وأول متحف في العالم يُبنى خصيصًا لحفظ وعرض آثار حضارة واحدة: حضارة مصر القديمة.
التصميم المعماري... بين الحداثة والكلاسيكية
جاء تصميم المتحف مزيجًا مدهشًا بين الطابع الكلاسيكي الجديد المستوحى من المعابد الرومانية والإغريقية، وبين تفاصيل رمزية مستوحاة من الفن المصري القديم.
ويضم المبنى أكثر من 100 قاعة عرض، موزعة على طابقين رئيسيين:
الطابق الأرضي: يحتوي على أكبر وأثقل القطع، مثل التماثيل الضخمة للملوك والملكات، والتوابيت الحجرية، وأعمدة المعابد.
الطابق العلوي: يعرض المجموعات الجنائزية، والمومياوات، والبَرديات، والمجوهرات، والأدوات اليومية، فضلًا عن كنوز المقابر الملكية والنبلاء.
كنوز المتحف... حين تنطق الأحجار
يضم المتحف أكثر من 120 ألف قطعة أثرية أصلية، تمثل جميع العصور المصرية القديمة: من عصور ما قبل التاريخ، مرورًا بالعصر الفرعوني، واليوناني، والروماني.
ومن أشهر مقتنياته:
مجموعة الملك توت عنخ آمون: أكثر من 5000 قطعة، عُثر عليها في مقبرته بوادي الملوك عام 1922، من أبرزها القناع الذهبي الذي يُعد رمزًا للحضارة المصرية عالميًا.
قاعة المومياوات: التي كانت تضم جثامين ملوك عظام مثل رمسيس الثاني، وسقنن رع، وتحتمس الثالث، وأحمس الأول.
تمثال خفرع المصنوع من الديوريت الصلب، وتمثال شيخ البلد المصنوع من الخشب والمحفوظ ببراعة.
نقوش ونصوص هيروغليفية تشرح الحياة اليومية والدينية والسياسية والاجتماعية في مصر القديمة.
المتحف زمن الحروب والثورات
لم يكن المتحف بعيدًا عن نبض الوطن، بل كان جزءًا من ذاكرة مصر في السلم والحرب. خلال الحرب العالمية الثانية، تم دفن الكنوز الثمينة تحت الأرض لحمايتها من القصف. وفي ثورة 25 يناير 2011، وقف المواطنون درعًا بشريًا حوله، ليمنعوا عنه يد التخريب والنهب، في مشهد يختزل علاقة المصري بتراثه.
المتحف اليوم... دور متجدد وهوية مستمرة
رغم انتقال بعض مقتنيات المتحف، وعلى رأسها المومياوات الملكية، إلى المتحف القومي للحضارة والمتحف المصري الكبير، فإن المتحف المصري بالتحرير لم يفقد بريقه، بل يخضع حاليًا لعملية تطوير شاملة، تُعيد له رونقه وتُفعّل
دوره الثقافي والعلمي.
سيُخصص المتحف بعد التطوير لعرض الآثار من عصر الدولة الوسطى والعصر المتأخر، مع التركيز على الجوانب الفنية والدينية التي ميّزت مراحل التطور الحضاري المصري.
المتحف في الوجدان المصري والعالمي
لا يمكن اختزال قيمة المتحف في كونه مبنى أثريًا أو مقصدًا سياحيًا، بل هو رمزٌ للهوية، وجزء من الذاكرة الجمعية للمصريين. وهو مرجع عالمي لدراسة علم المصريات، ومصدر إلهام لا ينضب للفنانين والباحثين والمهتمين بالتراث.
ويكفي أن نقول إن المتحف المصري هو الأب الروحي لكل متاحف الشرق الأوسط، ونموذج حيّ لما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الشعوب وتراثها.
إن المتحف المصري ليس مجرد وعاء للحجارة القديمة، بل هو ضمير أمة، وذاكرة حضارة، ومرآة نرى فيها عبقرية الإنسان المصري منذ فجر التاريخ.
فهو لا يروي لنا فقط قصة الملوك والكهنة، بل يحكي أيضًا عن الحرفيين، والمزارعين، والنساء، والأطفال الذين صنعوا الحضارة بأيديهم... وسلّموها لنا، لنحفظها للأجيال.
التعليقات الأخيرة