عامٌ من الصمتِ… تمنّيتُ أن لا يطولْ،
لا لأنّ بيننا وُدًّا،
ولا لأنّ الغيابَ يؤلمني كالحلولْ،
بل لأنّ الكلمةَ حين تخرجُ منك،
توقظُ في الحرفِ دهشةَ العابرينْ،
وترتّبُ الصمتَ على مهلٍ،
كأنّها قصيدةٌ لا تُقالْ،
بل تُحَسّ كالموسيقى في الليلِ الطويلْ.
كتبتَ… فقرأنا،
وصمتّ… فقلنا:
لعلّ للصمتِ عندكَ مواعيدَ لا تُفهم،
أو لعلّ الحرفَ حين يغيبُ،
يشتاقُ إلى مَن يُجيدُ الإصغاء.
ما كنتُ صديقةً،
ولا كنتَ تعرفني…
لكنّ الحروفَ تعرفُ من يُنصتُ لها باحترام،
ويمنحها مساحتها… دون ادّعاء.
فها أنا أردُّ على عتابٍ لطيف،
بعتبٍ ألطف،
وبحرفٍ يليقُ أن يُقالْ:
لا صمتٌ يطولُ إلى الأبد،
ولا الحضورُ واجبٌ...
إن لم يكنْ له سببٌ جميلْ.
فلا عليك إن طال الصمتُ أو قَصُر،
فما بيننا لا وُدٌّ يُنتظر،
ولا خصامٌ يُؤرّقُ القلب،
هي فقط كلماتٌ عابرة،
احترمتُ بها حرفَك…
فرددتُ الجميلَ بما يُشبهه.
ودعنا نتّفقْ:
لا أنا جئتُ أستنطقُ الغياب،
ولا أنتَ كنتَ تنتظرني كقصيدةٍ ناقصة،
لكنّ بين الصمتِ والصدى،
تنبتُ أحيانًا حكاياتٌ لا تحتاجُ أبطالًا،
بل تمرُّ خفيفةً، كنسيمٍ يعبرُ نافذةً مفتوحة،
ويتركُ خلفهُ شيئًا لا يُنسى… ولا يُروى.
ربّما كلُّ ما في الأمرِ
أنّ بعضَ الحروفِ لا تُكتبُ لِتُجيب،
بل لتُقالَ مرةً واحدة،
ثم تُعلّقَ في الهواء…
كأنّها صلاةٌ بلا صوت،
أو رجاءٌ لا ينتظرُ ردًّا.
وما دام في القلبِ متّسعٌ للاحترام،
وفي الحرفِ ظلٌّ لصدقٍ قديم،
فلا بأسَ أن نمرَّ ببعضنا
كما تمرُّ الفصول:
لا تستأذن، ولا تبرّر،
لكنّها تتركُ أثرًا لا يزولْ.
أنا لا أطلبُ رجعَ الصدى،
ولا أنتظرُ أن يُقالَ لي: "كنتَ هنا"،
فبعضُ الحضورِ يكفيه أن يمرَّ صامتًا،
يشبهُ ظلًّا يُجاورُ جدارًا قديمًا
ويكفيه أن لا يُؤذي،
أن لا يُثقِل،
أن لا يُشوّش.
فلتبقَ الكلماتُ كلمات،
وليكنْ هذا المرورُ – كما البداية –
هادئًا، نقيًّا، لا يُلوّثهُ التكلّف،
ولا يُحرجهُ الانتظار.
وإن عاد الكلامُ،
فليعدْ لأنه اشتاق،
لا لأنه واجب.
وإن طال الغياب،
فلندعهُ يطول،
ما دام لا يحملُ في طيّاتهِ خذلانًا،
ولا يحملُ في ملامحهِ إساءة.
فأجملُ العلاقاتِ تلك التي لا تُرهقُ القلب،
ولا تُحمّلُ الحرفَ فوق طاقته،
تلك التي تمضي كما النسيم،
تأتي حين تأتي،
وترحلُ إن رحلتْ… دون أن تُحدثَ ضجيجًا.
فأنا لا أبحثُ في الغيابِ عن تفسيرٍ،
ولا أفتّشُ في الصمتِ عن اعترافٍ مؤجَّل،
كلُّ ما في الأمرِ أنني أحببتُ الكتابةَ إليكَ،
كما يُحبُّ العاشقُ الغيمَ…
لا ليمطر، بل ليبقى مُعلّقًا في السماء،
دون وَعدٍ… دون خيبةْ.
ولعلّك، إن قرأتَ ما كُتب،
لن تُفكّر في الردِّ أصلًا،
ولن تُقلّب الحروفَ بحثًا عن مقصد،
فبعض الكلامِ يُقالُ فقط
ليمنحَ القلبَ خفّةَ الاعتراف،
ثم يمضي… كما جاء،
بلا استئذانٍ… ولا ندمْ.
ولعلّي، إن عدتُ للصمت،
فليس لأنّني انتهيت،
بل لأنّني قلتُ كلَّ شيءٍ
دون أن أقول شيئًا،
وتركتُ المساحةَ بيننا
كما كانت:مفتوحةً
على احتمالاتِ الغيابِ كلها،
ومأهولةً فقط…
بدهشةِ العابرين.
فأنا ما كتبتُ لأُربكك،
ولا لأُثير في قلبكَ ظنًّا قديمًا،
هي فقط خواطرُ عابرة،
مرّت كما يمرُّ الصديقُ القديمُ في الذاكرة،
فتبسمنا… ثم مضينا.
ولو أردتَ الحقيقة،
فما كنتُ أرجو ردًّا،
ولا انتظرتُ منكَ تأكيدًا أو نفيًا،
يكفيني أن تعرفَ
أنّ الحرفَ حين حضر،
كان بريئًا كتحيّةٍ تُقالُ على عتبةِ لقاء،
ثم تُطوى… دون لَوم.
فالعتبُ، وإن جاء،
فهو على مقدارِ الودِّ المختبئ في الكلام،
لا أكثر.
والردُّ، إن كُتب،
فهو لِمراعاةِ المعنى،
لا لِمطاردةِ المعاتبة.
وما بيننا – إن كان ما بيننا شيء –
لا يحتاجُ اسمًا،
ولا تصنيفًا،
هو فقط مساحةٌ من الاحترام،
تسمحُ للحرفِ أن يُلامس القلب
دون أن يُثقله.
فدعنا نكتفي بهذا القدر،
لا نزيدُ على الكلمةِ ظلًّا،
ولا نُحمّلها أكثرَ مما تحتمل،
فالصداقةُ، إن كانت،
لا تحتاجُ تفسيرًا طويلًا،
ولا متابعةَ الغيابِ بالحضور،
هي فقط تعرفُ طريقها،
وتعودُ متى شاءت،
دون عتابٍ،
ودون وعدٍ مؤجَّل.
وإن التقينا يومًا – مصادفةً أو قصدًا –
فلنقلْ: "كان بيننا كلامٌ جميل،
وها نحن نحفظه… كما ينبغي أن يُحفظ:
في القلب، لا في السجلات".
وهكذا،
تنتهي الحكايةُ كما بدأت:
هادئة، بسيطة،
تحملُ من الصدقِ ما يكفي،
ومن الاحترامِ ما يُغني عن كلّ تفسير.
التعليقات الأخيرة