بقلم د /سماح عزازي
أنا امرأة عاملة، أوازن بين مهامي خارج البيت وداخله، أُدرك تمامًا صعوبة أن تُقاتل المرأة في جبهتين: العمل، والبيت.
لكنني في كل مرة أنظر بإعجاب وامتنان لتلك المرأة التي اختارت جبهة واحدة، حين وضعتها الحياة أمام مفترق طرق، فآثرت بيتها وأولادها على نفسها وطموحاتها.ليست أقلّ شأنًا، ولا أدنى قيمة، بل هي في نظري قامةٌ عالية، اتخذت قرارًا شجاعًا حين رأت أن العمل قد يسحب البساط من تحت أقدام أمومتها، فآثرت ما يدوم على ما يُقال.إنها امرأة أنكرت ذاتها، وتنازلت عن كثير من أحلامها، ووهبت حياتها لما تراه أعظم وأبقى: بيتها، وأبناؤها، وصناعة الإنسان.
ربة البيت التي وضعت أبناءها أولًا، لا تقلّ نضالًا عني...
بل ربما تفوقت في ميدان خفيّ لا تصله الأضواء ولا تُصفق له المنابر... لكنها تصنع الأثر العظيم بصمت النُبلاء.
في عالمٍ مضطرب تداخلت فيه الأصوات وتزاحمت فيه الشعارات، أصبح الحديث عن "ربة البيت" أشبه بمحاولة إحياء قيمة تُرِكت خلف الركب، أو استدعاء لدور ظنّه البعض قد انقضى زمانه. لكن الحقيقة التي لا يغيّرها ضجيج الحداثة ولا تخفيها أضواء المكاتب، أن في زوايا البيت الهادئ تُصنع أعظم التحوّلات، وفي أحضان امرأةٍ صامتة تُبنى أعمدة الأجيال.
ليست كل المعارك تُخاض في الميادين، ولا كل البطولات تُدوَّن في السير. فثمة امرأة لا تحمل لقبًا وظيفيًا، ولا تترقّى عبر درجات السّلم الإداري، لكنها تحمل على عاتقها أعظم الرسالات: صناعة الإنسان.
لقد أُوهمت المرأة حين قيل لها إن النجاح حكر على رواتب آخر الشهر، وإن الكرامة لا تُنال إلا من مقاعد المكاتب ودرجات المناصب. ونسوا – أو تناسوا – أن أول مدرسة وطأت الأرض كانت حضن أم، وأن أول صوت علّمنا الكلام كان همس امرأة تمسك بيد الحياة من باب بيتها.
هذه كلمات في حق امرأةٍ اختارت أن تبقى في الظلّ، لتمنح غيرها النور.امرأةٍ لم تغادر مكانها، لكنها كانت دائمًا في صميم الحضور.
"رَبّةُ البيت" هي الوظيفة التي لم تُعلّق يومًا على أبواب الشركات، ولم تُدرّس في الجامعات، لكنها وحدها التي إن أُحسن أداؤها، صلح بها جيل، وارتقى بها مجتمع.
لقد خُدِعت المرأة حين أُقنعت بأن منزلها سجن، وأن أطفالها قيود، وأن خدمتها لأسرتها انتقاص من كرامتها.
خُدِعت حين قيل لها إن النجاح لا يُقاس إلا بالراتب، وأن القيمة لا تُنتَج إلا من مقعد في مكتب، وأن العمل بين جدران البيت نقصان لا يُغتفر.
ولكن...
من التي تُنبت بذور الطفولة في تربة سليمة؟
من التي تُهذّب الطباع، وتُشكّل العقول، وتغرس في الأرواح معاني الأخلاق والإيمان؟
وفي قوله تعالى:
﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾— الكهف: 46
تُبرز أن ما تزرعه الأم في أبنائها هو من أعظم الزينة والامتداد، وهو استثمارها الحقيقي في الدنيا والآخرة.
إنها الأم، رَبّةُ البيت، صانعةُ الأجيال، ومهندسةُ القلوب.
لم يكن قرارك بالبقاء في بيتك انسحابًا من الحياة، بل دخولًا في أعمق مجالات التأثير. ولم تكن رعايتك لأسرتك دليلَ ضعف، بل مظهرًا من مظاهر القوّة والاحتواء.
الحداثة لم ترفع المرأة، بل جرّدتها من فطرتها.
جعلتها تُطارد الأدوار وتُهمّش رسالتها الأولى، حتى أصبحت تفتّش عن ذاتها في أماكن لا تنتمي إليها.
وما تزال هناك نساء يُدركن أن البيت ليس مكانًا للراحة فقط، بل ساحة عملٍ ممتدّ لا ينتهي. وفي قوله تعالى:
﴿والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا﴾— النحل: 80
تُبرز أن البيت في الإسلام موطن سكينة واطمئنان، ومن يُقيم هذا السكن ويُحييه بالحب والرعاية، لها أعظم أثر.
وأن الكنز الحقيقي لا يُصاغ من ذهب، بل يُربّى في الأبناء الذين يُهدونهم للحياة صالحين نبلاء.
فلْتعلمي، أيتها المرأة، أن دورك في بيتك ليس انسحابًا من العالم، بل هو مشاركة خفيّة في صناعته.
ولم يكن القرار بأن تكون المرأة في بيتها انسحابًا من الحياة، بل تشريفًا إلهيًا يتناغم مع فطرتها ورسالتهـا. فقد خُوطبـت أمهـات المؤمنين – وهنّ أطهر النساء – بقوله تعالى:
﴿وقرن في بيوتكن وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (الأحزاب: 33)
وهذا الخطاب، وإن وُجه إلى نساء النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه يحمل في طيّاته إشعارًا لكل امرأة بأن قرارها في بيتها ليس ضعفًا ولا دونية، بل هو وقارٌ وعفّة، ومقامُ تكريم لا تقليل.
فإذا كان الله قد اختار لأمهات المؤمنين القرار في البيوت، فكيف يُقال اليوم لمن تختاره بإرادتها إنها دون سواها أو أقل شأنًا؟
أنتِ حين تُربّين، لا تُنشئين طفلًا فقط، بل تُؤسّسين أمة.
وحين تزرعين القيم، لا تملئين يومًا من أيامهم، بل تبنين مستقبلًا يتكئ على ما غرسْتِه بيديكِ.
فامضي في طريقكِ وارفعةَ الرأس، واثقةً أن ما تفعلينه في صمت البيت، أعمق أثرًا من كل الضجيج خارجه.
وكل التحية... لكل من آمنت أن العظمة لا تحتاج إلى ألقاب، وأنها قد تسكن قلب أمّ تمسك بخيط الحياة من طرفه الأصدق.
اللهم بارك في كل أمٍّ رعت بيتها بإيمان، وغرست في قلوب أبنائها الصلاح، واحتسبت جهدها عندك وحدك.
اللهم اجعل ما تصنعه في ميزان حسناتها، وامنحها من السكينة والرضا ما يُعينها على الطريق.
قال تعالي ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إمامًا﴾ — الفرقان: 74
دعاء جميل يعبّر عن الغاية النبيلة من تكوين الأسرة،
وقد قال تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، فكان في قرار المرأة في بيتها سترٌ وتشريف، لا حبسٌ ولا تهميش، بل تمكين في أعمق ساحة من ساحات
الإصلاح
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسؤولةٌ عن رعيتها».فطوبى لمن أدّت أمانتها، ورفعت بالبيت وطنًا صغيرًا يُنبت أملًا كبيرًا.
فكلّ التحية لكل امرأة اختارت أن تبقى حيث العطاء الحقيقي؛حيث تُبنى القلوب قبل الجدران، وتُصنع القيم قبل الشهادات. كلّ التحية لربة البيت… النبع الذي لا ينضب
التعليقات الأخيرة