بقلم د/ سماح عزازي
على عتبةٍ من عمرٍ ناعم،
وقفتُ لا أعدُّ السنوات... بل أزهرها.
ما كنتُ يوماً ألهث خلف الزمن،
بل كنتُ أزرع في خطايَ حكمة،
وفي قلبي ربيعاً لا يشيخ.
خمسون؟
هي ليست رقماً...
بل زهرة نضجت على مهل،
فأينعت حباً، وكتبتني نوراً،
ووشمت وجهي بالسكينة، لا بالتجاعيد.
يا عمرًا...
كنتَ لي رفيق الدرس،
علّمتني أن الانكسار لا يُعيب،
وأن دمعةً على الخد لا تُنقص من الكبرياء شيئًا،
بل تُطهّر القلب، وتمنحه ظلالًا من عذوبة.
في عينيّ ما زال الحلم يسكن،
وفي ضحكتي شيء من طفلة لم تكبر،
وفي صمتي امرأةٌ صارت تعرف
متى تقول... ومتى تمضي.
ما خذلتني الحياة،
بل لقّنتني أبجدية القوة،
حين كانت الريح تعصف بي... كنت أزهر.
وحين سقطتُ،
كان فيّ من النور ما يكفي لأن أنهض.
أنا لا أشيخ،
أنا أتجلّى.
أنا لا أركض،
أنا أتمايل كغصن زيتون
في نسيم الرضا.
وجهٌ لا يشي بسن،
بل يروي حكايات عن امرأة...
كتبت العمر بأنامل القلب،
وسقته من دمعها،
ثم ابتسمت.
خمسون؟
هي رقصةُ الطفلة التي كنت،
مع المرأة التي صرت.
هي قصيدة كتبتها الحياة
بمداد التجربة، وسمّتها أنا.
فيا أيها القادم من الأيام،
اقترب،
ولا تخف عليّ من الزمن.
فأنا امرأة لا تهزّها الأعوام،
بل تزهر بها.
فيا أيها العمر القادم...
تعال،
قلبي ما زال حيًا،
وقلمي ما زال يكتب،
وحكايتي الجميلة...
ما زالت تُكتب.
فيا أيها الزمنُ،
كفّ عن عدّ السنين،
فأنا لا أُقاسُ بالرقم،
بل بوهجٍ في العيون،
وبأثرٍ في الأرواحِ حين أمرّ.
لا تسألني عن البدايات،
فكلُّ فجرٍ كان لي مولدًا،
وكلُّ غروبٍ وشايةً بالدهشة.
مشيتُ على جمر التجربة،
وما احترقت،
بل تَـنقَّيت، صرتُ أكثر نقاءً...
أكثر اقترابًا من ذاتي،
ومن الله.
في وحدتي صحبة،
وفي صمتي موسيقى،
وفي بُعدي عن الزحام
أقربُ ما أكون للسلام.
لا أفتّش عن مديح،
ولا أطلب تصفيقًا،
يكفيني أني حين أختلي بنفسي،
أبتسم.
خمسون؟
نعم...
لكنني ما زلتُ أكتب أول سطر،
وأرسم أول حلم،
وأمشي في دروبٍ لا تخيفني نهاياتها،
فقد تعلّمتُ أن كل نهاية،
ليست إلا ولادةً أخرى... بنكهة النضج.
أنا امرأةٌ تُزهر حين تشتدّ العاصفة،
وتزدهرُ حين يخبو الضوء،
ففي داخلي شمس لا تغيب،
وأمل لا يُطفأ.
فلا تسألني كم عمري،
اسألني: كم زهرةً أنبتُّ من جرح؟
وكم نجمةً أشعلتُ في عتمة؟
وكم مرّةٍ متُّ لأصير... أنا؟
أنا امرأةٌ كتبتها الأيامُ بيتًا بيتًا،
ورسمتها الحياةُ على مهل،
فصارت قصيدةً...لا تُنسى.
فيا أيها الصباح الذي لم يأتِ بعد،
أنا ما زلتُ أهيّئ قلبي لك،
أنفض عنه غبار الأمس،
وأفرش له درباً من رضا وحنين.
ما عدتُ أرتّب الأيام كما يفعلون،
بل أفتح كفّي للدهشة،
وأدعُ الحياة تأخذني كما تشاء،
فأنا أعرف طريقي...
حتى إن ضلّت الخريطة.
في عينيّ بريق لا يعرف الذبول،
وفي نبضي موسيقى
عزفتها التجارب على وتر الصبر.
لا تستغرب إن وجدتني أضحك بعد ألم،
أو أرقص على جراح قديمة،
فقد تعلّمت أن الحياة لا تعتذر،
لكنها تمنحنا فرصةً ثانية إن أحسنا الإنصات.
خمسون؟
بل هي مئذنةُ نورٍ في معبد القلب،
يُرفع فيها الأذانُ للحب،
وتُقام فيها صلاة الامتنان.
أنا لا أكتب من فراغ،
بل من امتلاء،
ولا أتكلم من شغف عابر،
بل من يقينٍ تربّى في الحنايا.
فيا زمنًا قادمًا،
لا تأتِ متخفيًا،
واجلس إلى جواري كصديق قديم،
احكِ لي ما تشاء، لكن تذكّر…
أنني لستُ امرأة تُفاجئها السنون،
أنا من تصنع من كل عامٍ
بستانًا جديدًا للعطر.
ها أنا...
على عتبة الخمسين،
ألمُّ أيامي كما تلمّ الأمُ أولادها عند المساء،
أطبع على جبين كل لحظة قبلة،
وأمضي... لا خلفي ما يُخيف،
ولا أمامي ما يُبهت النور في عيوني.
لم أعد أُشبه أحداً،
ولا أرغب أن أفعل،
فأنا اكتمالٌ بلا زيف،
وصوتٌ نضج في حضن الصمت.
خمسون عاماً؟
بل خمسون باباً فُتح على الذات،
خمسون طريقًا قادني إلى امرأة
تعرف من تكون...
وتحبّ ما أصبحت عليه.
فإن سألتني يوماً من أنا،
سأقول:
أنا حكايةُ عمرٍ كتبها اللهُ بلطف،
وعلّقها على جدار الزمان...
لتُقرأ كلما ضاق بك الطريق.
التعليقات الأخيرة