بقلم د/ سماح عزازي
في تاريخ الأوطان، لا تكتب الحكايات فقط بسير الزعماء وأسماء القادة، بل تُكتب – بصدق أكبر – بسير المعلّمين. أولئك الذين لا يعتلون منابر السياسة، ولا يتصدرون شاشات الإعلام، لكنّهم يغيّرون مجرى المجتمعات كل يوم، من على منابر الطباشير والسبورات القديمة. من هنا تبدأ حكايتي مع سيدة لم تكن في حياتي مجرد معلمة، بل كانت جذرًا امتد من أعمامي وعمّاتي، حتي وصلت إلى واستمر لأجيال وعقود بعدي ، ثم إليّ اودلانا … إنها ابنة بورسعيد وأيقونة التعليم ببلدتنا في الشرقية.
في زمنٍ تغيّرت فيه المفاهيم، وتقلّص فيه دور القدوة، تبقى بعض الأسماء محفورة في الذاكرة كعلامات مضيئة في درب الحياة. أسماء لم تكن مجرّد عابري سبيل في حياتنا، بل كانوا جُزءًا من تكويننا النفسي والفكري، ننهل منهم القيم قبل المعلومة، ونحمل من ظلّهم ما يحمينا من هجير الأيام. من بين هؤلاء، تأتي معلمتي ... تلك المعلمة التي لم تكن يومًا مجرّد مدرسة، بل كانت وطنًا من الطمأنينة، وصوتًا من الحكمة، ويدًا حانية تشق الطريق في عتمة الجهل، لتزرع فينا نورًا لا ينطفئ.
في حياة الشعوب، هناك نساء يصنعن المجد بهدوء، ويكتبن التاريخ بلا شهرة أو صخب. لا يُخلّدهن الإعلام، ولا تسطر أسماؤهن على واجهات المباني، لكن أثرهن يبقى خالدًا في العقول والقلوب، كنبض الأرض حين تحتضن البذور، وتتركها تنمو في صمت. ومن بين هؤلاء، تقف شامخة، مرفوعة الرأس، امرأة علّمتنا معنى أن تكون الرسالة أكبر من الوظيفة، وأن يكون التعليم جهادًا في سبيل الله والوطن. إنها معلمتي، أمي الثانية، السيدة الجليلة سميحة محمد المغازي علي، بنت بورسعيد، وسيدة الشرقية، وصانعة الأثر الذي لا يُمحى.
ميلاد في الزمن الصعب بورسعيد تحت القصف ولدت في مدينة الصمود والثغور،ونشأت في وطنٍ كان يتقلب بين الاستعمار والتحرر، وبين الحروب والآمال. ولدت ا/ سميحة عام 1946 في مدينة بورسعيد، المدينة التي كانت ولا تزال رمزًا للبطولة والمقاومة. شاءت الأقدار أن تكون نشأتها في سنوات الاضطراب، و خلال أحداث العدوان الثلاثي عام 1956، حيث كانت المدينة محاصرة، تتلقى القصف بوجهها العاري، بينما يقاوم أهلها بأيدٍ عزلاء، لكن بقلوب لا تعرف الانكسار. في تلك البيئة الوطنية الحادة، تفتّحت عيناها على أن حب الوطن لا يكون بالكلمات، بل بالفعل، وأن العلم ليس رفاهية بل وسيلة للبقاء والكرامة.
الطفولة والتكوين الأول
عندما تذكر ا/ سميحة المغازي، تذكر الابتسامة، التي كانت دائمًا سيدة المواقف، وكأنها كانت تعلم الجميع أن الصعوبات لا يمكن أن تكون حاجزًا أمام النجاح." نشأت سميحة المغازي في أسرة من اصول طيبة ، تعلمت فيها منذ صغرها أن الحياة تتطلب العمل الجاد والإرادة الصلبة. كانت أولى خطواتها في عالم التعليم عندما التحقت بالمدرسة الابتدائية في تلك المدرسة، بدأت تتفتح أمامها آفاق التعليم، وبينما كانت
تغمرها الابتسامات البريئة في فترات الطفولة، كانت تعلم أن المستقبل سيكون مليئًا بالتحديات.
التحصيل العلمي والتحديات
وفي ظل الأوضاع السياسية المتوترة التي خلفتها الحروب المتتالية علي مدينة بورسعيد ، اجتازت سميحة المغازي مراحل التعليم المختلفة تحت القصف. في تلك الفترة، كانت الأمة تمر بلحظات عصيبة، وكان التعليم أحد المجالات التي تعرضت لاختبارات كبيرة، لكنها لم تستسلم أمام الصعاب، بل واصلت تحقيق طموحاتها. حتب وصلت الي مرحلة الثانوية العامة ، وهي تحمل في قلبها شعورًا بالعزيمة وإرادة قوية للاستمرار، رغم الظروف الصعبة التي كانت تعي
شها البلاد.
التعليقات الأخيرة