بقلم د/ سماح عزازي
في كل عام، يعود الجدل في مصر حول قرار العمل بالتوقيت الصيفي، ما بين مؤيد يراه ضرورة اقتصادية، ورافض يعتبره عبئًا بيولوجيًا ونفسيًا لا طائل منه.
فهل نعرف حقًا لماذا بدأ تطبيق هذا النظام؟
وما الفوائد المرجوّة منه؟
وهل مصر وحدها من تسير على هذا النهج؟
نشأة التوقيت الصيفي عالميًا:
بدأت فكرة التوقيت الصيفي في العصر الحديث مع اقتراح قدمه عالم الحشرات النيوزيلندي جورج فيرنون هدسون عام 1895، ثم طُبقت لأول مرة في ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى عام 1916 بهدف توفير الطاقة. لاحقًا تبنّت الفكرة دول عدة أبرزها بريطانيا، فرنسا، والولايات المتحدة، لتصبح سياسة موسمية شائعة في العديد من دول العالم، وخصوصًا في المناطق التي تتميز بتفاوت كبير بين طول النهار والليل حسب الفصول.
التوقيت الصيفي في مصر: متى بدأ؟
طبقته مصر لأول مرة في عام 1940 خلال الحرب العالمية الثانية لأغراض اقتصادية تتعلق بتوفير الكهرباء، ثم توقف العمل به لسنوات، ليعود مجددًا على فترات متقطعة.
ومنذ التسعينيات، أصبح التوقيت الصيفي مرتبطًا بفصل الصيف، حيث يُقدّم التوقيت ساعة واحدة بدءًا من نهاية أبريل حتى نهاية أكتوبر.
في عام 2015، ألغت الحكومة المصرية التوقيت الصيفي رسميًا، ثم أعيد العمل به في 2023 بموجب قرار من مجلس الوزراء. وفي 2024، عاد العمل به رسميًا مجددًا بدءًا من آخر جمعة من شهر أبريل وحتى آخر خميس من شهر أكتوبر، تحت مبرر "ترشيد استهلاك الكهرباء".
الأسباب المعلنة لتطبيق التوقيت الصيفي:
1. توفير الكهرباء:
تقليل فترات الإضاءة الاصطناعية في البيوت والمكاتب، خصوصًا في ساعات الذروة المسائية.
2. تحقيق الاستفادة من ضوء الشمس:
ساعات النهار الأطول تعني نشاطًا بشريًا أكبر قبل حلول الظلام.
3. التحكم في ذروة الاستهلاك الكهربائي:
تقليل الضغط على الشبكات، خاصة في أشهر الصيف الحارّة.
فوائد التوقيت الصيفي (وفق المؤيدين):
خفض فاتورة الكهرباء بنسبة تصل إلى 5% بحسب بعض الدراسات الحكومية. تحسين الإنتاجية في بعض القطاعات، مثل الزراعة والسياحة. زيادة النشاط الاجتماعي والاقتصادي مساءً بسبب تأخر غروب الشمس.
الجدل والانتقادات:
رغم الفوائد المعلنة، يواجه التوقيت الصيفي معارضة من قطاعات واسعة من المواطنين، ويتلخص الجدل في:
اضطراب الساعة البيولوجية: خصوصًا في الأسبوع الأول
من التطبيق، ما يؤدي إلى الإرهاق واضطرابات النوم.
ضعف التأثير الفعلي: بعض الدراسات الحديثة (من بينها دراسات أمريكية وأوروبية) أشارت إلى أن التوفير في الكهرباء قد يكون طفيفًا أو غير ملموس.ارتباك جداول المواصلات والرحلات الدولية والمحلية في بداية التطبيق ونهايته.
دول تطبق التوقيت الصيفي حول العالم:
الاتحاد الأوروبي: تطبقه جميع دوله حتى الآن، لكن هناك نقاشات لتعطيله نهائيًا.
الولايات المتحدة وكندا: يُطبق منذ عقود مع اختلاف بسيط في التواريخ حسب كل ولاية.
الأردن، لبنان، فلسطين، المغرب: من بين الدول العربية التي تطبقه. إيران وتركيا: تطبقهما بشكل دائم (توقيت صيفي طوال العام).
بينما ألغته دول أخرى مثل:
روسيا، اليابان، الصين، الهند، السعودية.
يبقى التوقيت الصيفي في مصر إجراءً مثيرًا للجدل بين فائدته الاقتصادية وتكلفته النفسية والصحية على الإنسان. وبين من يراه ضرورة عصرية، ومن يعتبره عبثًا بالساعة البيولوجية، تبقى الحقيقة مرهونة بأرقام واضحة ودراسات مستقلة تعيد تقييم التجربة وفق معايير علمية لا شعارات بيروقراطية.
المصادر:
الموقع الرسمي لمجلس الوزراء المصري – بيان عن عودة التوقيت الصيفي، أبريل 2023.
تقرير وزارة الكهرباء والطاقة – نشر في صحيفة الأهرام، يونيو 2024.
دراسة من مركز البحوث الاجتماعية والجنائية حول تأثير التوقيت الصيفي على النوم والإنتاج، مايو 2023.
وكالة رويترز، تقرير عن مستقبل التوقيت الصيفي في أوروبا، مارس 2022.
تقرير شبكة CNN حول تاريخ تطبيق التوقيت الصيفي في العالم، أكتوبر 2021.
التعليقات الأخيرة