add image adstop
News photo

الأم ودورها في حياة أبنائها

بقلم د/ سماح عزازي 

 

لا تكفي الكلمات ولا تكفي الأقلام لوصف فضل الأم ومكانتها في حياة أبنائها. فهي نبع الحنان، وأصل الرحمة، وأعظم مدرسة للتربية والقيم. وقد أعلى الإسلام شأن الأم، وخصّها بفضل عظيم، وقرن برّها بطاعته، وجعل رضاها طريقًا إلى الجنة.

 

في القرآن الكريم، جاءت آيات كثيرة تُبرز مكانة الأم، منها قوله تعالى:

"ووصينا الإنسان بوالديه، حملته أمه وهنًا على وهن، وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير"

(لقمان: 14)

تأمل كيف يذكّرنا الله عز وجل بما تحمّلته الأم من مشقة الحمل والولادة والرضاعة، ليثبت لنا أنها صاحبة الفضل الأول في حياة الإنسان، وأن شكرها مقرون بشكر الله نفسه.

 

وفي الحديث النبوي، يروي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال:

"قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الناسِ أحقُّ بحُسنِ صحابتي؟ قال: أمُّكَ. قلتُ: ثم من؟ قال: أمُّكَ. قلتُ: ثم من؟ قال: أمُّكَ. قلتُ: ثم من؟ قال: أبوك."

(رواه البخاري ومسلم)

ثلاث مرات يُقدَّم ذكر الأم، ليؤكد النبي صل الله عليه وسلم عظم مكانتها، وعمق تأثيرها، وعظيم حقها.

 

الأم ليست فقط من تنجب، بل من تربي، وتغرس القيم، وتحتضن الآلام، وتزرع في أبنائها بذور الإيمان والرحمة والعطاء. وهي أول من يستيقظ وآخر من ينام، لا تعرف الراحة إن مرض أحدهم، ولا تأنس إلا بضحكتهم وسلامتهم.

 

في مراحل حياة الأبناء، تكون الأم:

المعلّمة الأولى التي لا تُنسى.

المرشدة والموجهة عند التردد والحيرة.

السند والملاذ في لحظات الضعف والانكسار.

والداعية الصامتة حين تغرس حب الله في قلوب أطفالها.

وحين يكبر الأبناء، تبقى الأم حضورًا ثابتًا في الدعاء والاهتمام والقلق النبيل. فالأم، وإن تقدّم بها العمر، يظل قلبها شابًا نابضًا بأبنائها.

 

تضحيات الأم من أجل أبنائها

من أعظم صور التضحية التي تقدمها الأم، تخلّيها عن أحلامها وطموحاتها الشخصية حين تتعارض مع مصلحة أبنائها. كم من أم أغلقت خلفها باب الدراسة أو العمل أو السفر، فقط لتكون قريبة من أطفالها، ترعاهم وتمنحهم الأمان. لم تكن ضعيفة، بل قوية بما يكفي لتُؤثر غيرها على نفسها. كانت قادرة على أن تبني مستقبلاً مختلفاً، وربما أكثر راحة أو شهرة، لكنها اختارت أن يكون نجاح أبنائها هو نجاحها، وسعادتهم هي مقصدها. فكل حلم ضحّت به، نما بدلاً عنه حلم في قلوبهم، وكل باب أغلقته خلفها، فُتح أمامهم ألف باب.

 

بعض الأمهات لا يكتفين بالتضحية بأحلامهن، بل يضحين بسعادتهن نفسها، ويخترن الصبر على قسوة الحياة في سبيل راحة أبنائهن. يتحملن الهمّ والألم، وربما العيش في ظروف صعبة أو زواج مؤلم، فقط كي لا يشعر أطفالهن بالنقص أو الفقد. تبتسم الأم رغم الحزن، وتُخفي دموعها خلف قوةٍ هادئة، كي لا تضعف قلوب صغارها. تعيش من أجلهم، وتصبر على الأيام القاسية، لأنها تؤمن أن في صبرها حياةً لهم، وفي وجعها سعادةً لهم، وفي تضحيتها قوةً تدفعهم نحو مستقبل أفضل.

 

رغم تضحياتها وصبرها، لا تنطفئ أحلام الأم، بل تتحول إلى أمنيات تراها في عيون أبنائها. تحلم أن تراهم يكبرون ليصبحوا شخصيات مؤثرة، ناجحين في حياتهم، قادرين على ترك أثر طيب في هذا العالم. تتمنى أن ترى فيهم ما لم تستطع تحقيقه، وأن يحملوا راية الطموح التي وضعتها يوماً جانباً من أجلهم. كل خطوة يخطونها نحو النجاح، وكل إنجاز يحققونه، يُشعرها بأن تعبها لم يذهب سُدى، وأن صبرها لم يكن عبثاً. فنجاح الأبناء هو التتويج الحقيقي لتضحيات الأم، وبه تكتمل سعادتها.

 

ولأن الأم ضحّت بالكثير، فإن أقل ما يمكن أن يقدمه الأبناء هو أن يردوا الجميل بالسير على طريق النجاح، وأن يبنوا لأنفسهم مستقبلاً يليق بتعبها وسهرها. فحين يجتهد الأبناء، ويواصلون طريقهم رغم الصعوبات، فإنهم لا يحققون فقط أحلامهم، بل يُحيون في قلوب أمهاتهم حلماً ظل نابضًا لسنوات. كل تقدم يحرزونه هو رسالة شكر صامتة، وكل خطوة صحيحة يخطونها هي دعاء مجاب من قلبها. فدور الأبناء لا يقتصر على رد المعروف، بل في جعل حياة أمهاتهم مليئة بالفخر والرضا، حين يرونهم قد وصلوا إلى وجهتهم الصحيحة، حاملين معهم قيمها، وأحلامها، وتضحياتها.

 

ولذا، فإن برّ الأم ليس منّة، بل واجب، وعقوقها من أعظم الكبائر.

 روى البخاري أن النبي صل الله عليه وسلم قال:

"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين..."

 

فليجتهد كل منا في برّ أمه، قُبلةً على يديها، وابتسامةً تُدخل السرور إلى قلبها، وسؤالًا لا ينقطع عن حالها. ولندعُ لها في حياتها وبعد وفاتها، فهي سبب وجودنا، ومفتاح فلاحنا.

 

إنها الأم... الجنة تحت قدميها، والرضا من رضاها، والدنيا لا تُحتمَل دون دعائها

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى