add image adstop
News photo

حين غاب الجبل ... د. عزازي علي عزازي وفاء للأرض والانسان

 

 

بقلم د/ سماح عزازي 

 

حين يُذكر اسم "عزازي علي عزازي"، لا تُذكر معه مجرد سيرة رجلٍ مرّ في السياسة أو الأدب أو الصحافة، بل يُذكر تاريخٌ كامل من النبل والوعي، ويُذكر صوتٌ عاقلٌ في زمن الضجيج، ويُذكر اسمُ رجلٍ لم يكن مجرد عمّي، بل كان رمزًا حقيقيًا للإنسان الذي ما باع يومًا قلمه ولا قضيته.

 

وُلد عمي في 25 أكتوبر عام 1957 بقرية أكياد بمحافظة الشرقية، في قلب دلتا مصر التي علّمته منذ الطفولة أن البساطة لا تتعارض مع العظمة، وأن الفقر لا يمنعك من أن تكون مثقفًا أو حرًا. نشأ في عائلة عريقة تمتد جذورها في عمق التاريخ، أسرة معروفة في الشرقية بتراثها وكرمها ومكانتها الاجتماعية، فقد كان والده – جدي – أحد رجال القوات المسلحة المصرية، وواحدًا من رجالات الوطن الذين عاشوا شرف الخدمة والعطاء.

 

ورغم أن العائلة كانت ميسورة الحال، فإنه لم يتعالَ يومًا على أحد، ولم يعرف الترف طريقًا إلى قلبه. بل كان دومًا منحازًا للفقراء، متألمًا لأوجاعهم، لا يتحدث باسمهم فحسب، بل يناضل من أجل حقوقهم في حياة إنسانية كريمة. كان يرى في العدالة الاجتماعية معنى الوجود، وفي الكرامة الإنسانية قيمة لا يجوز التنازل عنها.

 

أكمل دراسته الجامعية في كلية الآداب بجامعة الزقازيق، وحصل على درجة الدكتوراه في نقد الرواية بتقدير مرتبة الشرف الأولى. لم يكن العلم بالنسبة له مجرد شهادة، بل كان رسالة. درّس بجامعة الزقازيق، وشارك في مؤتمرات علمية داخل مصر وخارجها، لكنه لم يحبس نفسه داخل القاعات الأكاديمية. بل كان قلمه حيًا يكتب للناس ومن أجلهم، كتب في "العربي"، و"الكرامة"، و"الجمهورية"، و"صوت العرب"، و"الأسبوع"، وغيرها من الصحف التي حملت فكره الوطني العروبي.

 

عرفته الصحافة، كما عرفه الميدان. فقد كان من أوائل من تصدوا للفساد في المقالات والمواقف، وكان صوته في "كفاية" و"حزب الكرامة" صوتًا جريئًا لا يساوم، ولا يلين. لم يُهادن سلطة، ولم يبحث عن منصب، رغم أن المناصب جاءت إليه، وأحدها حين تولّى منصب محافظ الشرقية بعد ثورة يناير المجيدة. لم تكن مهمته سهلة، لكنه قبِلها بروح المناضل الذي لا يهرب من مواجهة الحقيقة، وظل على العهد حتى قدّم استقالته طوعًا بعد انتخاب رئيس من جماعة الإخوان، رفضًا للانحراف عن طريق الثورة ورفضًا للتواطؤ مع السلطة.

 

لم يكن يومًا بعيدًا عن السياسة، بل كان جزءًا منها، مناضلًا بالكلمة والموقف. انتمى إلى التيار الناصري، وشارك في تأسيس حزب الكرامة، وكان من أوائل الأصوات التي نادت بالحرية والكرامة والديمقراطية. صوته كان حاضرًا دائمًا في كل معركة وطنية أو قومية: في دعم فلسطين، ورفض العدوان على لبنان، والتنديد بالحصار على غزة، والمجازر في العراق، حيث ظلّ منحازًا للأمة لا لحزب ولا لمصالح آنية.

 

وعمّي لم يكن سياسيًا فقط، بل كان أديبًا وناقدًا، ترك لنا إرثًا أدبيًا وفكريًا ثريًا، من أبرز مؤلفاته:

 

المتمرد والصعلوك ، محبة النص ، سيمولوجيا الرواية المصرية

الأرض هامش كوني ، الناصرية: تجاوزتنا أم تجاوزناها

 

كانت مؤلفاته امتدادًا لحياته… لا تنحاز إلا للإنسان، لا تتحدث إلا بصدق، ولا تهادن في الحق.

 

وعلى الرغم من انشغالاته الكثيرة في العمل العام والسياسة، لم يكن عمي ينسى أبدًا أسرته التي كانت مركزًا لكل ما يفعله. تزوج من الصحفية الراحلة سوسن دويك، التي كانت رفيقة دربه وأعز صديقة له في مسيرة الحياة. كانت سوسن مثالًا للمرأة المثقفة والذكية، وساندته في كل مراحل حياته المهنية والاجتماعية، وشكلت معه صورة رائعة للعلاقة التي تنبض بالتفاهم والإخلاص.

 

وكان للدكتور عزازي عزازي بنتان حملتا اسمه بفخر، وجعلتاه يعتز بهما في كل لحظة من حياته. إكرام، ابنة البطل، هي طبيبة بشرية، أتمت دراستها بكفاءة عالية لتكون صورة من والدها في التفاني والإخلاص في العمل. أما سارة، فقد تبعت الطريق ذاته، ولكنها تخصصت في طب الأسنان، لتواصل العطاء في مهنة تحمل رسالة إنسانية أيضًا.

 

لقد ترك لنا عمي الراحل أسرة عظيمة، وهي أحد ألوان الصورة التي رسمها في قلب كل من حوله. بناته هما امتداد له، وكل منهما تحمل جزءًا من روحه، وأثره في خدمة المجتمع والوطن.

 

ثم جاء المرض، مثل كل فصول الحياة، ثقيلًا. قاوم كما يقاوم الجبل العاصفة، صامتًا، شجاعًا، نبيلًا. خضع لعملية زراعة كبد في الصين، لكنه كان يعرف أن الرحلة قد شارفت على نهايتها. وفي 5 مارس 2014، رحل الجسد، وبقي الأثر. خرج الآلاف من قريته ومحبّيه لتشييعه، واحتضنته تراب أكياد، كما يحتضن الوطن أبناءه المخلصين.

 

لكن ذكراه لم تَغب…

ففي عام 2022، وضع اسمه علي مدرسة اكياد الثانوية المشتركة لتحمل اسمه "مدرسة الدكتور عزازي علي عزازي"، كما ان مديرها هو عمي و الاخ الاصغر لراحل فهو قام بثوره بها غيرها ومن جميع النواحي من حيث المبني والنشاط والعملية التعليمية وقام بتطويرها بالجهود الذاتية و بدعم من أهالي القرية ومحبيه، تقديرًا لما قدمه وتقديرا لمجهود مديرها الاستاذ عبدالمنعم علي عزازي 

 

ولم تكتفِ الأسرة بذلك، بل تبرّعت بقطعة أرض مساحتها فدان ، وأقامت عليها مجمعًا خيريًا متكاملًا يحمل اسمه، يضم:

مسجدًا، دار مناسبات، مركزًا لتحفيظ القرآن الكريم،

مركزًا طبيًا، مركزًا تعليميًا

هذا المجمع لم يكن صدقةً جاريةً فقط، بل استمرارٌ حيٌّ لرسالته في خدمة الناس… تمامًا كما عاش من أجلهم.

 

ولأنني ابنة أخيه، لا أكتب اليوم سيرة رجلٍ عظيم فحسب، بل أكتب عن ركنٍ من روحي، عن عمٍّ كان لي أبًا، وملاذًا، ومرآةً لفهم الحياة. أكتب عنه لا لأُمجّده، فمكانته محفوظة في قلوب الآلاف، بل أكتب لأحفظ حقه على جيلٍ ربما لم يعرف كم خسرنا برحيله.

 

رحمك الله يا عمّي، يا مَن عشتَ كبيرًا ومتّ نقيًا كما كنت.

سيظل اسمك فينا حيًّا، كما يبقى الجبل شامخًا حتى لو غاب.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى