كتب د. نادر على
في قلب معابد الكرنك بمدينة الأقصر، حيث عبق التاريخ وروح الحضارة الفرعونية، تتربع البحيرة المقدسة كواحدة من أعظم أسرار مصر القديمة. هي ليست مجرد حوض ماء، بل شاهد صامت على طقوس وأساطير ظلت تُروى على مر العصور، وبقيت مياهها حية، لا تجف، متحدية الزمن وتقلبات المناخ.
تقع هذه البحيرة الساحرة خارج البهو الرئيسي للمعابد، ويجاورها تمثال الجعران الشهير المنسوب للملك أمنحتب الثالث. ورغم تهدم بعض أجزائها مع مرور القرون، فإنها ما زالت تحتفظ بسحرها وقدسيتها، وتُعد اليوم من أبرز محطات الزوار من جميع أنحاء العالم، الذين لا يفوتون فرصة التقاط صورة أمامها، وكأنهم يحتفظون بذكرى من عالم آخر.
يعود حفر البحيرة المقدسة إلى عهد الملك تحتمس الثالث، أحد أعظم ملوك مصر الفرعونية، وقد استخدمت آنذاك كمكان للتطهير قبل إقامة الطقوس الدينية. كان الملوك والكهنة الكبار يغتسلون فيها استعدادًا للدخول إلى "قدس الأقداس"، الغرفة الأكثر سرية وقدسية داخل المعبد، حيث تُقام الشعائر الخاصة بالآلهة.
ويقول الخبير الأثري الطيب غريب، إن ما يجعل البحيرة لغزًا حقيقيًا هو أن مياهها لا تجف مطلقًا، رغم مرور آلاف السنين، مما يطرح تساؤلات علمية وروحية عن مصدر استمرارية المياه فيها. ويضيف أن جوانبها مزودة بمقاييس للنيل كانت تُستخدم قديمًا لمعرفة توقيت الفيضان، كما أن لها مدخلين من الشرق والغرب، مزودين بسلالم حجرية للنزول والصعود.
البحيرة المقدسة ليست فقط شاهدًا على حضارة عظيمة، بل هي رمز روحي لطهارة النفس والجسد قبل التواصل مع الإله، وهي إلى اليوم، تروي لنا قصة حضارة لم تزل تنبض بالحياة.
التعليقات الأخيرة