add image adstop
News photo

الكساد العظيم بخسائر أكثر فداحة ....عواقب وخيمة لتطبيق ترامب سياسة التعريفات الجمركية

كتب :مصطفى نصار. 

 

 

 

زيادة الكساد و ارتفاع الأسعار :مأساوية التعريفات الجمركية تاريخيًا .

 

 

 

حينما طبق ترامب التعريفات الجمركية بمنتهى السعادة و البهجة المنبعثة من صدره بنسبة متفاوتة تتراوح من ١٠:٤٣% ، لم يعرف أو يعي أن تلك اللحظة إعلان بالحرب التجارية العالمية التي تكررت قبل ذلك عدة مرات في أمريكا و أوربا ، فضلًا عن سقوط مدوي للأسواق الأمريكية لم يمر مثله من مئة عام و تحديدًا الكساد العظيم عام ١٩٢٥ في أكبر أزمة أمريكية وصلت لحد المجاعة و إثارة الشغب ، و لم تنته إلا بمساعدة الدول الأوربية لها .

 

 

 

فبعد المساعدات و الاستثمارات الأوربية ، عملت الولايات المتحدة على رد الجميل بطريقتها الخاصة ، فقامت بقيادة البروفسور جون كينز عقب الحرب العالمية الثانية بتصميم نظام الرأسمالية النيولبيرالية الذي رسخ المهانة الاقتصادية عبر نظام التراشق الاقتصادي الذي أتى بالكوارث المتتابعة على الولايات المتحدة ، و على رأسها أزمة رفع التعريفات الجمركية على الدجاج من المزرعين الأمريكيين على الأوربين الذين تصدروا في استهلاك الدجاج كثيرًا بنسبة ١،٥ %ليتفاجأ الأمريكيان بالرد كالصاعقة ، عبارة عن فرض تعريفات جمركية عليه بنسبة ٢،٢٥% مع الاستغناء الأوربي عنهم تدريجيًا و إحباط الأمريكيان من فكرة الخسارة التبادلية نتيجة تلقي الجزاء المناسب كما يجب .

 

 

 

لتعطي كذلك تلك القصة درسًا قاسيًا للاقتصاد الرأسمالي الذي يحمل في طياته استبعادًا قويًا و قوة قاهرة إن لعب بها عكست نتائجها ، ليفشل الاقتصاد الدولي بعدها و يكتب البروفسور الأمريكي الشهير ريتشارد وولف في حواره مع طارق علي أن الرأسمالية هي سبب الكوارث الاجتماعية "شديدة الوطأة "، منها الفقر و البطالة و الحرب التجارية بغرض فقط استعادة هيمنة قوة واحدة على حساب آخرين ، مع إفقار البقية بطبيعية الأمر لكن قلب الطاولة من ترامب هذه المرة سبب حالة من الغضب الدولي و الردود القوية لحسم قراراته و الرجوع عنها على كافة المستويات فتحولت الولايات المتحدة من القطب الموحد للقطب السالب المقسم .

 

 

 

استمرت تلك الأزمات الممتدة في نسيج المجتمع الأمريكي على المستوين الاقتصادي و الاجتماعي لإنه قلل الاستهلاك و أوقف حركة السوق مع رفع جنوني للأسعار جعل الاقتصاديون الليبراليون مثل فريدمان و جلبرث أن يؤكدوا أن كارثية الكساد العظيم تخطيت مجرد الأزمات الاقتصادية لامتداد ظلها على الأعوام التالية حتى أزمة إيقاف النفط في السبعينات من القرن الماضي حينما أوقفت الدول العربية تصدير النفط للغرب ، و لعل هذا ما جعل الخبير الاقتصادي في اقتصاديات النفط دانييل ألمرجو يؤكد على حقيقة دامغة مفادها أن الكساد العظيم أودى بالولايات المتحددة "أربع أضعاف "ما أدت إليه أزمة النفط العالمي .

 

 

 

ما لبث الأمريكان يفوقوا من الكساد العظيم حتى حاولوا جاهدين بصورة منتظمة لكن دون جدوى ليستمر عشر سنوات بحالهم ، ذاق فيهم الولايات من ندرة في السلع ، و تزايد طوابير الانتظار، مما أدى كذلك لزيادة نسبة الفقر و البطالة ، ليبقى الافتراض القائم بالأمل كما يؤكد آلان لارسون متوافقًا مع هوارد زين الذي دلل أن الأحداث الجسيمة سببت مظاهرات كبيرة، و شعبية لمن يدافع عن الناس باعتبارهم ضحية متضررة بشكل ضخم و متعدد الأبعاد، ما ألقى الضوء على سؤال مزعج عند إعادة ترامب لنفس السياسات المجنونة ، ألا وهو هل تتكرر سيناريوهات الحرب التجارية مع الكساد العظيم ، و بخاصة عند غضب دول العالم منها .

 

 

 

ترامب التاجر :من إعادة جعل اغتناء أمريكا لرسم اقتصاد الاقطاع .

 

 

 

في خطوة مفاجئة ، أعلن الرئيس الأمريكي ذو العقلية التجارية دونالد ترامب ، في يوم التحرير الأمريكي ، يوم الخميس الماضي ٣ أبريل رفع تعريفة جمركية على ١٨٠ دولة تتراوح نسبتها بين ١٠ل٤٦%من قيمة المنتجات الواردة للولايات المتحددة الأمريكية ، ما أعلن نواقيس الحرب التجارية العالمية ، و تراشق الدول في النظام الدولي إما برد مباشر أو ببيانات خيبة أمل و شجب و استنكار و تهديد بشكل خطير، لسببين أهمها تضارب البورصة و تقليل التعاملات التجارية مع أمريكا مما قد يهدد قيمة الدولار ذاته .

 

 

 

في السياق ذاته ، يقول الكاتب و أستاذ الاقتصاد الدولي بمعهد الدراسات الدولية مارك بليث ، بأدلة موثقة ، أن تلك الإجراءات ستسهم "بالعديد من المصائب الهيكلية "، منها احتمالية كبيرة لانخفاض قيمة الدولار الأمريكي، لتبني الدول العديد من التحالفات غير المتوقعة ، مع استمرار التعاملات التجارية الصعبة التي لم تحدث منذ ١١٧ عام أي بعبارة أخرى ترامب سيعيد الاقتصاد بأكمله على المستويين الدولي و المحلي للقرن التاسع عشر حين ساد الإقطاع ، و كان هناك طبقتين العمال و الفلاحين و الإقطاعيين الاستغلالين الذين احتاجوا الناس لغرضين فقط زيادة الأرباح ، و كذلك استغلال العمال لتحقيق أفضل و أسرع أرباح .

 

 

 

تغيرت المعادلة للأسوء ليس فقط على مستوى الهيكل الاقتصادي بل و الاجتماعي السياسي أيضًا إذ يمكن لرجال الأعمال استخدام التقنية لإنتاج أكثر كمية و بتكلفة أقل ، و بهذا يستغنى عن العنصر البشري بالتدريج ، لتتأكل الطبقة الوسطى و الفقيرة التي تتكون في أغلبها من المهاجرين غير النظاميبن الذين يعملوا في الأنشطة البسيطة و الحرف و المهن البدائية كالزراعة و التجارة بين الولايات و القيادة للسيارات و الشاحنات ، دون مراعاة إجراءات بديلة تحد من آثار هذا التغيير العميق و خاصة لكبر و ضخامة الرقعة العمالية التي تمثل قرابة ٢٥% من الاقتصاد الأمريكي بكافة تفاصيله .

 

 

 

و لعل تلك الأسباب المثيرة للغضب و التي تمس المواطن مباشرة من ركود تضخمي يقارب للكساد العظيم كما أسلفنا ، فإنه يزيد الحنق الاجتماعي لفشل ترامب بعد فشل الرئيس السابق جو بايدن في إحراز تقدم ملموس ، في دلالة واضحة على زيف الوعود و خيالية السياسات النيولبيرالية، و اليمينة الترامبية لاعتمادها الأساسي على الضرائب و التعريفات الجمركية، وصولًا لتصفية العاملين و الموظفين مثلما فعل مع الاستخبارات المركزية و وزارة التعليم ، لتنتج دولة "بدأت عصر مضطرب في الاقتصاد العالمي "بحد تعبير إسوار باسوارد أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة كورنيل الأمريكية في الجملة الافتتاحية في دراسة في مجلة الشئون الخارجية الشهرية ،مما يستدعي موضوع انهيار الاقتصاد الأمريكي و تحول النظام الدولي بكلية و جذرية تامة .

 

 

 

 

 

تغير قيد التشكل أم مجرد إجراءات شكلية :جنون ترامب على المدى البعيد .

 

 

 

لازم جنون ترامب عقليته التجارية و تطبيقاتها العديدة ، و المتنوعة عبر فرض العديد من الإجراءات تتسم بالفاشية في أغلبها ، متضمنة عنصرية مقيتة على المهاجرين الذين يحيوا البلاد على مستوى العمالة و الجامعات كذلك، و التي قد تكلف البلاد مستقبلها في حالة ترامب ، و هو ما يتناقض تمامًا مع الحلم الأمريكي ، في تغيرات شبه عنيفة قد تؤدي بالنظام الدولي كله بشكل مزلزل ينسف أصوله ، و يعيد تشكيله بشكل مرعب و مخيف .

 

 

 

فعلى سبيل المثال ، انفصلت أوربا أمنيًا و إستراتيجيًا بشكل شبه تام مما يفيد باحتمالية دخولها الحرب التجارية مع العديد من دول أسيا الجنوبية و الوسطى مثل الهند و كوريا الجنوبية، مماثلًا لجروباتشوف الذي دمر الاتحاد السوفيتي، و لجأت الدول الأعضاء للانفصال عنه و الانضمام بطبيعة الحال لدول أكثر مرونة ، و كذلك يوغوسلافيا التي تفككت عنها دولة تلو الأخرى لدرجة التفكك التام للنظام الدولي و تسلم روسيا لإرث الاتحاد السوفيتي و تحولها لقوة عظمى ، و يكمن وجه الشبه الأخير في حالة عدم اليقين و التذبذب السياسي ، و الأمني الذي سيمهد الطريق لاستكمال نظام ترامب الدولي الجديد .

 

 

 

 لأمريكا العديد من المؤشرات الجديرة للتأمل و الملاحظة السطحية للحظة الانهيار التاريخية التي كتب عنها منظرو السياسة ، و اقتربت تلك اللحظة بتعيين ترامب في الفترة الأولى، و كتب عنها العديد من الباحثين السياسين كمايكل وولف صاحب ثنائية نقد ترامب في فترته الأولى "نار و غضب"، و المنبوذ التي أكدت خسارة فداحة للولايات المتحددة في فترته الأولى عبر السياسات المجنونة التي كثفت وتيرتها الضخمة علاوة على اهتزاز مؤكد لسمعة حزبه ، و اكتساح الديمقراطيين في الفترة التالية لمحاولة تعويض سريعة ، و معالجة شبه عملية ، لكن ظلاله أثقل من إزالتها بمجرد ٤ سنوات ، و خاصة مع ضعف و هزلية و تعصب بايدن لأيدولوجية التحول الجنسي المصحوب بخسائر فادحة وصلت ل٣٠٠مليار دولار كما أعلن.

 

يسير ترامب بكل ثقة تجاه الهاوية السحيقة ، و إن لم يكن بتلك الوتيرة فعلى الأقل سيعزل أمريكا اقتصاديًا و سياسيًا عن محيطها الدولي و سيخلق كذلك أرضية خصبة لكارهيه ، و محبيه أيضًا بتوطين أفكارهم ، أو بحد تعبير المحلل العسكري كريس هيجدز في مقاله المعنون ميلاد الفاشية سيعيد للفاشية رونقها المنبوذ أو المسكوت عنه عمدًا عما سواه ليخلل المؤسسات القوية أو يفقد الثقة بقوتها على ردعه ، بطرد أي شخص يريده أو يعتقله تحت أي مسمى و انتهاء بدق إسفين قوي في الديمقراطية اللبيرالية الأمريكية ذاتها .

 

يستحسن ترامب احتقار و امتهان الجميع ، حتى أبرز أعدائه و الرد عليهم بعنف و عنهجية و غطرسة الرجل الأبيض لما لديه من تربية خاصة فيما يتعلق باستراتيجته السوقية الاستحواذية التي امتلك بها ثروته الهائلة من الأموال و المنتجعات الفاخرة ، و التي أثبت فشلها في بداية فترته الثانية لحد الآن ، لعدم وجود مستشارين ذوي كفاءة واعدة ذات جدوى ، و هذا سينتج بلدًا يصبح التعليم فيه عملة صعبة بل و أرستقراطية رفاهية تعبر عن مثالية زائدة لا ترقي اجتماعي هرمي تراتبي يعبر عن عدالة اجتماعية سليمة مثلما يؤكد مايكل ساندل أستاذ علم السياسة و الفلسفة السياسية في جامعة هارفارد، ما سيدفع المواطنون لمحاولة ردعه عبر الوسائل المتاحة لديهم مثل التظاهر السلمي و الإضرابات أو استخدام الأسلحة الشخصية لديهم ضد الشرطة عند التصعيد .

 

و يسرع وتيرة الخسارة الخيالية افتتاح البورصة الأمريكية بخسائر أسطورية لا مثيل لها ، و خسارة كبيرة لأصحاب رؤوس الأموال الضخمة مثل أمازون و انفدييا و جوجل و مايكرسوفت بقيمة تترواح بين ٨٠ و ١٣٠ مليار للشركات ، و كذلك ١٠٠و ٢٤٠ مليار لأصحابها ، ما يعد أزمة اقتصادية عابرة للقارات نتنمى من خلالها تحقق رؤية ترامب "بجعل أوربا هشة و منفصلة عن الولايات المتحددة " كما قال مايكل كمييرج في مقال ماذا يريد ترامب ، و نبذها باكتمال متكامل الأركان للعزلة أو الهلاك الكبير ببوادر أشد قسو

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى