د. نادر على
قد تبدو بعض الممارسات التي اتبعها العرب في الحروب قديمة وغير مألوفة في عصرنا الحالي، لكن لها دلالات عميقة عن فهمهم العميق للطبيعة وأسلوب الحرب. واحدة من هذه الممارسات كانت تتعلق بكيفية اختيار الخيول للقتال.
كان العرب في الحروب القديمة يفضلون ركوب ذكور الخيل ذات الجلد المتين والصبر، وكانوا يتفادون استخدام الإناث خوفًا من طبيعتها الميالة إلى الصوت العاطفي، الذي قد يجعلها تشعر بالشهوة نحو الذكور وتشتت انتباه الفارس. لكن، عندما تكون الحرب على وشك أن تبدأ، ويحتاجون إلى عنصر المفاجأة، كانوا يعكسون هذه القاعدة ويمتطون الإناث، إذ أنهن لا يصهلن أثناء الركض، مما يضمن لهم التسلل بدون أن يتمكن العدو من تحديد موقعهم.
لكن التكتيك لا يتوقف عند هذا الحد، فقد كانت هناك مشكلة أخرى تتعلق بما هو أكثر أهمية أثناء الحروب: التبول. الخيول الذكور كانت تعاني من احتباس البول أثناء الركض، بينما كانت الإناث قادرة على التبول أثناء الجري، مما كان يتيح لها مسافة أكبر في المعركة بدون الحاجة للتوقف. هذه الملاحظة البسيطة كانت جزءاً من استراتيجية حرب متكاملة.
وفي مشهد آخر من الرعاية والغيرة التي امتاز بها العرب، كان الفارس العربي يولي عناية خاصة لخيله. فقد كان إذا اضطر لركوب فرس في الحرب، يقوم بخياطة مهابل الأفراس للحفاظ على نقاء سلالتها. قد يبدو ذلك قاسيًا، لكن هذا كان رمزًا للغيرة والاعتزاز بالأنساب حتى وإن كانت متعلقة بالمخلوقات.
من هنا، يمكننا أن نرى كيف كانت الغيرة جزءاً لا يتجزأ من عزة وشرف الرجل العربي، وليس فقط في علاقاته الإنسانية بل حتى في تعامله مع الحيوان. هذه الغيرة التي لم تقتصر على النساء، بل شملت الخيل أيضًا. حتى أن الجار كان يُحترم وتُحفظ أعراضه بغيرة لا تقل عن غيرة الشخص على نفسه.
وفي هذا السياق، نجد أن الإسلام جاء ليصقل هذه الفضائل ويهذبها، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "جئت لأتمم مكارم الأخلاق".
التعليقات الأخيرة