كتب. نادر على
في قلب مقبرة الملك توت عنخ آمون، وبالتحديد في عالم العطور الذي حمل بين طياته عبق الزمن، اكتشفنا قطعة فنية نادرة تأسر الألباب، فازة الألاباستر التي هي بمثابة شهادة حية على عبقرية الحضارة المصرية القديمة. هذه الفازة، التي صنعت من حجر الألاباستر الشديد الصلابة، تمثل مزيجًا رائعًا من الجمال والدقة الفنية الفائقة التي قد تبدو لنا اليوم كأنها مجرد خيال.
لكن ما يميز هذه الفازة ليس فقط جمال شكلها الخارجي أو نقوشها الرائعة، بل هو الإعجاز الذي يكمن في كيفية نحتها وتشكيلها. تلك الفازة، التي كانت تعتبر من أرقى وأفخم قطع العطور في العهد الفرعوني، تم نحتها من قطعة واحدة من الألاباستر. ورغم دقة هذا الحجر الذي يبدو هشًا في الظاهر، إلا أن النحاتين القدماء استطاعوا إبداع عمل فني مستحيل التصور. فالحجر الذي يبدو غير قابل للعمل قد تحول بين يديهم إلى تحفة فنية ذات تفاصيل مذهلة، منها الحفر المتقن من الداخل.
ما يثير الدهشة حقًا هو قدرة هؤلاء الحرفيين على حفر الزخارف والنقوش داخل العنق الطويل الرفيع للفازة، وهو أمر يعجز عن تنفيذه حتى تقنيات اليوم باستخدام الليزر. نحت الألاباستر لم يكن مجرد عملية فنية، بل كان أشبه بمهمة خارقة للطبيعة، إذ استطاع الحرفي المصري القديم استخدام أدواته البسيطة لإنشاء فراغات دقيقة داخل الفازة، دون أن تتأثر جودتها أو تنكسر.
وفي هذه القطعة الفنية، يتجلى أعمق معاني الإبداع والقدرة على التفوق، حيث أظهر المصريون القدماء براعتهم في التعامل مع المواد الصلبة وكأنها طين بين أيديهم. حتى في الأوقات التي كانت فيها الأدوات المتاحة لهم بدائية مقارنة بما نملكه اليوم، كان بإمكانهم تحويل هذه المواد إلى أعمال فنية تعكس قدرة عقلية ومهارة فنية لم يسبق لها مثيل.
المعجزات التي صنعها قدماء المصريين لم تقتصر على اختراعاتهم في العلوم والطب، بل شملت فنونهم وحرفهم التي لا تزال حتى يومنا هذا موضوع إعجاب وإلهام. الفازة الألاباستر من مقبرة توت عنخ آمون ليست مجرد قطعة أثرية، بل هي تجسيد حقيقي لإبداع حضارة كانت تتمتع بقدرة فنية غير محدودة، ويحق لنا أن نفخر بها، فهي جزء من تراثنا الذي لا يعادله شيء.
إلى جانب ذلك، تظل الفازة الألاباستر شاهدًا على عبقرية نحاتي مصر القديمة، والذين أبدعوا في صياغة الجمال من حجر، وخلدوا هذا الجمال ليبقى حيًا
عبر العصور.
التعليقات الأخيرة