بقلم / محمـــد الدكـــروري
اليوم : الأحد الموافق 1 سبتمبر 2024
الحمد لله الذي جعل حب الوطن أمرا فطريا والصلاة والسلام على من ارسله الله تعالى رسولا ونبيا وعلى آله وصحابته والتابعين لهم في كل زمان ومكان، أما بعد إن الخائن يعيش مهانا ذليلا منبوذا من أقرب الناس إليه، وليس له أي مكانة، مهما انتفش وانتفخت أوداجه فهو لا يرتفع إلا كما ترتفع الجيفة على سطح الماء، ولا يعلو إلا أن يكون خائنا خان الأمانة وبنى مجدا زائفا من خياله وخيال أمثاله، ويقول سائل حريصا علي رد الأمانة إلي اصحابها بأن هناك رجل وضع عندي شيئا وذلك لمدة أسبوع فمضى ثلاث سنوات على ذلك فجاء الرجل بعدها يطالب بحقه، وللعلم فهذا الشيء قد تكسر وذلك لتراكم الزمن عليه، فهل يلزمني أن أدفع له الثمن أم ماذا؟ فكان الجواب هو إذا كان تلف هذا الشيء ليس بأسبابك بل هو محفوظ في المحل الذي يحفظ فيه أمثاله.
ثم طرأ عليه التكسر من دون عمل منك ولا أثر منك فلا شيء عليك، أما إن كان لك فيه تسبب فعليك أن تغرم قيمته، فإن لم يتم ذلك بينكما فالمرجع المحكمة الشرعية في ذلك، ولكن المؤمن يكون خصيم نفسه، وينصف من نفسه، فإذا كنت أنت السبب فلا حاجة إلى الخصومة، ولا يجوز لك الخصومة، بل عليك أن تعطيه قيمة ما أتلفت عليه، أما إذا كنت بريئا لم تحدث شيئا ولم تغير شيئا ولكنه تلف بسبب طول الزمان، والعادة أن مثله يتلف بطول الزمان، فهذه قرينة على أنك لم تعمل فيه شيئا، ولا حرج عليك، ولقد كان للخيانة رموز وعلامات فهذا هو عبدالله بن سبأ المعروف بابن السوداء حيث كان لابن سبأ الخائن الدور الكبير في الفتنة العظمى التي حصلت بين الصحابة رضوان الله عليهم في موقعة الجمل.
وقد جاء في البداية والنهاية أن عبدالله بن سبأ قال لبعض أصحابه "يا قوم، إن عزكم في خلطة الناس، فإذا التقى الناس فأنشبوا الحرب والقتال بين الناس، ولا تدعوهم يجتمعون" وهذا هو ابن العلقمي حيث كان ابن العلقمي وزيرا للخليفة العباسي المستعصم بالله محمد الظاهر، وكان لابن العلقمي الدور الكبير في دخول التتار إلى بغداد، وسقوط الخلافة العباسية فيها، وقيل أنه كتب ابن العلقمي إلى هولاكو قائد التتار أنه على استعداد أن يسلمه بغداد إذا قام بالهجوم عليها، فكتب هولاكو لابن العلقمي "إن عساكر بغداد كثيرة فإن كنت صادقا فيما قلت لنا وداخلا تحت طاعتنا، ففرق العسكر" فلما وصل الكتاب إلى ابن العلقمي، أخذ يتحايل على المعتصم ويقنعه بعدم جدوى هذه الأعداد الكبيرة من الجنود حيث إن التتار قد رجعوا إلى بلادهم، ولا حاجة لتكليف الدولة كلفة هؤلاء الجند.
فإستجاب الخليفة لرأيه، وبالفعل تم تسريح أعداد غفيرة من أفضل عناصر الجيش، ويقول المؤرخون إن ما تم تسريحه يقارب مائتي ألف فارس، ولما أتم حيلته، كتب إلى هولاكو بما فعل، فركب هولاكو وقدم بجيشه إلى بغداد، وأثناء المعركة أرسل ابن العلقمي جماعة من أنصاره، فحبسوا مياه دجلة حتى تعوق تفوّق جيش بغداد، وبالفعل انتصر التتار، وقتلوا الخليفةَ وابنه، وأفسدوا في البلاد أشد الفساد، ثم دعا هولاكو بابن العلقمي ليكافئه، فحضر بين يديه، فوبخه على خيانته لسيده الذي وثق به، ثم قال "لو أعطيناك كل ما نملك، ما نرجو منك خيرا، فما نرى إلا قتلك" وقتله بالفعل، وهذا هو الوزير شاور وخيانته للمصريين ضد الصليبيين حيث عاون شاور الصليبيين ضد نور الدين محمود وصلاح الدين.
في الفترة من خمسمائة واثنين وستين للهجره، إلي خمسمائة واربعة وستين للهجره، وحاول تمهيد الطريق لهم للاستيلاء على مصر عن طريق الخيانة تارة، وعن طريق إشعال الحرائق في أنحاء القاهرة تارة أخرى حتى يضطر الناس لمغادرتها، ويكون الطريق ممهدا للصليبيين، وظلت نار الخيانة تستعر إلى أن تم قتل شاور، ومكن الله تعالى للمسلمين.
التعليقات الأخيرة