بقلم / محمـــد الدكـــروري
اليوم : الأحد الموافق 1 سبتمبر 2024
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، إن حقيقة الخيانة عمل من اؤتمن على شيء بضد ما اؤتمن لأجله، بدون علم صاحب الأمانة، وفي العصر الحديث يتم إطلاق مصطلح الطابور الخامس أو الخيانة العظمى على الخونة وأعوانهم حيث يصف المصطلح مجموعة من الناس تتعامل غالبا مع أعداء داخليين أو خارجيين، بغرض التخريب والتضليل، وإشاعة الفوضى، وزعزعة أمور البلاد، وتقوم أركان الخيانة العظمى عند قيام شخص بخدمة دولة أجنبية، وتعهد مصالحها على حساب مصلحة دولته التي ينتمي إليها، ما يؤدي إلى المساس بأمن بلده وإستقراره، أو الإضرار بمركزه السياسي.
ولقد وردت في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تحذرنا من صفة الخيانة، ومن الميل إلى الخائنين أو الركون إليهم، أو الدفاع عنهم فالله تعالى يبطل خيانتهم ولا يصلح لهم عملا، والخيانة من علامات أهل النفاق، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من علامات المنافق ثلاثة، وذكر منها إذا اؤتمن خان" متفق عليه، وبيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن من كانت فيه خصلة من هذه العلامات، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، كما في الحديث المتفق عليه، ووضح النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا تجوز المعاملة بالمثل في باب الخيانة، بل هي استثناء للقاعدة الشرعية العظيمة التي تبيح المعاملة بالمثل، فلئن كان القصاص في الأصل جائزا من باب المعاملة بالمثل حيث يقول تعالي " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به"
فشأن الخيانة مغاير لمقتضى القاعدة السابقة لأن الخيانة مذمومة من كل وجه، وأخذ الحق من الخائن شيء، وظلمه وجحده حقه والإضرار به على وجه الغدر شيء آخر، ويدل عليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أدي الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" رواه أبو داود، وإن أمر الأمانة عظيم، والتفريط فيها سبب لكل بلاء، وإننا نحتاج ضمن أولوياتنا الدعوية أن نؤسس هذا الخلق ونغرس قيمته في النفوس حتى تتحقق الإستقامة في السلوك، وهذا يتطلب من الدعاة والمصلحين الكثير من الجهد والوقت، حتى نبلغ الغاية المنشودة، والأمانة في الشرع لها معنيان، معنى عام وآخر خاص، فالمعنى العام هو أنها تتناول جميع أوامر الشرع ونواهيه، ومما يدل على ذلك قول الله تعالى.
" إنا عرضنا الأمانة علي السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا " وساق ابن كثير رحمه الله تعالى مجموعة من أقوال علماء السلف في تفسير لفظ الأمانة، ثم قال كل هذه الأقوال لا تنافي بينها بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب وإن تركها عوقب فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه، إلا من وفق الله وبالله المستعان " وهذا المعنى هو الذي إختاره ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى حيث قال " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قاله الذين قالوا إنه عُني بالأمانة في هذا الموضع جميع معاني الأمانات في الدين وأمانات الناس وذلك أن الله لم يخص بقوله " عرضنا الامانة" بعض معاني الأمانات لما وصفنا "
وقال القرطبي رحمه الله تعالى والأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال وهو قول الجمهور، وقال الله تعالى " والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون" قال الشيخ المفسر محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى والأمانة تشمل كل ما استودعك الله وأمرك بحفظه، فيدخل فيها حفظ جوارحك من كل ما لا يرضي الله وحفظ ما ائتمنت عليه من حقوق الناس.
التعليقات الأخيرة