بوسي عواد
يقع بيت الكريتلية في قلب القاهرة التاريخية، وتحديدًا في حي السيدة زينب، وهو أحد أهم البيوت الأثرية التي تعكس تاريخ وثقافة مصر الإسلامية. يعود تاريخ بناء البيت إلى عام 1540م، ما يعني أنه تجاوز الأربعة قرون ليصل عمره اليوم إلى 483 عامًا. هذا البيت، الذي يعد شاهدًا حيًا على تطور العمارة الإسلامية في مصر، يمتاز بتفاصيل معمارية رائعة تجسد فنون العمارة الإسلامية المميزة لتلك الحقبة.
تم بناء بيت الكريتلية في العصر العثماني على يد أحد الأثرياء الذين أرادوا تشييد مسكن يجمع بين الراحة والجمال والخصوصية. سُمّي البيت بهذا الاسم نسبةً إلى "السيدة الكريتلية"، وهي سيدة ذات أصول كريتية (نسبة إلى جزيرة كريت) كانت آخر من سكن البيت في بدايات القرن العشرين. ويُعتقد أنها كانت تعيش فيه بعد زواجها من أحد المصريين، ما أعطى البيت تسميته المعروفة.
يتكون بيت الكريتلية من طابقين، ويتضمن عدة غرف وصالات واسعة تعكس نمط الحياة الأرستقراطية التي كانت سائدة في ذلك الوقت. يتميز البيت بزخارف خشبية دقيقة وأعمال جصية فريدة، إضافةً إلى شبابيك المشربية الشهيرة التي تعكس براعة الصنعة الإسلامية. تتوزع الغرف حول فناء داخلي واسع، يتيح للضوء الطبيعي الوصول إلى جميع أجزاء البيت، وهو تصميم تقليدي في البيوت الإسلامية يساعد على توفير الإضاءة والتهوية الطبيعية.
يحتوي البيت على عدة مكونات معمارية بارزة، منها المداخل المزخرفة، والنوافذ المطلة على الشارع والمشربيات الخشبية التي كانت تستخدم لحجب الرؤية من الخارج مع السماح بمرور الهواء والضوء. كما يتضمن البيت مصلى صغيرًا وحمامًا خاصًا مزينًا بالبلاط المزخرف.
في عام 1935، قام المعماري الفرنسي جورج حنين بشراء البيت وإنقاذه من الانهيار بعد سنوات من الإهمال. واستمر في ترميمه والمحافظة على طابعه الأثري المميز. وفي وقت لاحق، تم تحويل البيت إلى متحف يعرف باسم "متحف جاير أندرسون" نسبةً إلى الضابط الإنجليزي جاير أندرسون الذي استأجره وأقام فيه لمدة سنوات، وقام بتزيينه بالعديد من التحف والأثاث التقليدي.
أصبح بيت الكريتلية جزءًا من التراث الثقافي المصري وواحدًا من أشهر المعالم السياحية في القاهرة، حيث يمكن للزوار التجول بين غرفه والاستمتاع بمشاهدة التحف الفنية والقطع الأثرية التي تعود إلى العصور الإسلامية المختلفة.
أصبح بيت الكريتلية مصدر إلهام للكثير من الأعمال الأدبية والفنية في مصر. نظرًا لتاريخه العريق وجمال تصميمه، استخدم البيت كموقع تصوير للعديد من الأفلام والمسلسلات التي تصور الحياة في مصر القديمة. من بين أشهر الأعمال التي تم تصويرها في هذا البيت هو فيلم "البيت الكبير" الذي أنتج في الستينيات، حيث ساهم البيت بجماله وأصالته في نقل المشاهدين إلى حقبة زمنية ماضية.
بيت الكريتلية ليس مجرد بناء أثري، بل هو جزء من ذاكرة مصر وتراثها، يعكس صورة من صور الحياة في القاهرة القديمة. من خلال المحافظة عليه وتحويله إلى متحف، تمكن المصريون والعالم من الاستمتاع بجمال هذا البيت واكتشاف جزء مهم من تاريخ العمارة الإسلامية في مصر.
التعليقات الأخيرة