add image adstop
News photo

ما هذه الشاة يا أم معبد

بقلم / محمـــد الدكـــروري

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم أما بعد، معنا في هذا المقال سيدة من نساء العرب ألا وهي السيدة عاتكة بنت خالد، وعُرفت بكنيتها أم معبد رضي الله عنها وأرضاها وقد أورد حديثها عدد من الأئمة في مصنفاتهم فحديثها حديث صحيح بشواهده، وتقول السيدة أم معبد رضي الله عنها "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخرج من مكة خرج مهاجرا إلى المدينة، هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنه ومولى أبي بكر وهو عامر بن فهيرة، ودليلهما عبد الله بن أريقط الليثي، مرّوا على خيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت برزة. 

 

أي تعني أنها كانت امرأة كهلة كبيرة في السن، لا تحتجب احتجاب الشواب، تحتبي بفناء الخيمة، ثم تسقي وتطعم، فسألوها لحما وتمرا ليشتروا منها، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وكان القوم مرملين مسنتين، يعني أنه قد نفد زادهم، وأصابهم القحط، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة أي يعني في جانبها فقال "ما هذه الشاة يا أم معبد؟" قالت شاة خلفها الجهد عن الغنم تعني أنها هزيلة لا تقدر على المشي مع الغنم للرعي، فذهب الغنم وبقيت هي، فقال صلي الله عليه وسلم "هل بها من لبن؟" قالت هي أجهد من ذلك تعني أنها لضعفها لا يمكن أن يكون بها من لبن، فقال صلي الله عليه وسلم "أتأذنين لي أن أحلبها؟" وتأملوا في هذا الأدب النبوي العظيم، حينما يستأذن من هذه المرأة في حلالها، ولا يهجم عليه. 

 

ولا يتصرف تصرف الفضولي، مع أنه يعلم أنه مهما أتى شيئا مما للمسلمين، أو ممن يعظمونه ويجلونه كحال هذه المرأة، فإنهم لن يمانعوا، بل إنهم فرحون محبورون، وتأملوا هذا النبي الكريم صلي الله عليه وسلم حينما ينادي هذه المرأة بكنيتها أم معبد احتراما وإجلالا وتقديرا، وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن لطيفا مقدرا لكل من يلتقي بهم، لا من رجل ولا امرأة، لا من مسلم ولا غير مسلم فهذا حق ينبغي أن يصدر من الإنسان الذي تمثل أخلاق الإسلام، أن يقدر من يلتقي به، وأن يتحدث معه بما يليق، فلما استأذن رسول الله صلي الله عليه وسلم "أتأذنين لي أن أحلبها؟" قالت بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا، فاحلبها، وتأملوا هذه المرأة حينما تفدي رسول الله صلي الله عليه وسلم بأبيها وأمها، مع أنه أول لقاء بينهما، وما ذلك إلا لأنه أسر قلبها. 

 

وحلّ بسويدائه حبا وتقديرا لأمرين لما رأت عليه من مخايل النبوة ومهابة الفضل والشرف، ولما كان يتعامل معها من أدب وإحترام، بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا فاحلبها، فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمسح بيده ضرعها، وسمى الله جل ثناؤه ودعا لها في شاتها، فتفاجت عليه أي فتحت ما بين رجليها للحلب لكثرة ما اجتمع في ضرعها من اللبن ببركة دعائه ومسحه صلي الله عليه وسلم قالت ودرّت واجترت، فدعا بإناء يربض الرهط أي تعني إناء يكفي لإشباع رهط من الناس من ثلاثة إلى عشرة، حتى إنهم إذا شربوه تثاقلوا، فربضوا وناموا لكثرة ما شربوا، قالت فحلب بها ثجّا أي إن الحليب يصب من ضرعها ويسيل سيلانا لوفرته حتى علاه البهاء أي إنه امتلأ الإناء بهذا الحليب، وصار أعلاه رغوة اللبن اللامعة.

 

قالت ثم سقاها حتى رويت، أي سقى رسول الله صلي الله عليه وسلم أم معبد حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب صلي الله عليه وسلم آخرهم، فما أعظمه من تواضع وما أكرمه من تعامل بدأ بصاحبة الدار، ثم أعطى أصحابه، يخدمهم وهو أشرف الخلق، ثم شرب بعدهم، فلم يتقذر مما شربوا، وهو صلي الله عليه وسلم القائل "إن سؤر المؤمن لا ينجس" فهذا تواضع جم، وخلق أشم من هذا النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى