بقلم / محمـــد الدكـــروري
اليوم : الجمعة الموافق 26 يوليو 2024
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، الحمد لله الذي خلق الأرض والسموات، الحمد لله الذي علم العثرات، فسترها على أهلها وأنزل الرحمات، ثم غفرها لهم ومحا السيئات، فله الحمد ملء خزائن البركات، وله الحمد ما تتابعت بالقلب النبضات، وله الحمد ما تعاقبت الخطوات، وله الحمد عدد حبات الرمال في الفلوات، وعدد ذرات الهواء في الأرض والسماوات، وعدد الحركات والسكنات، وأشهد أن لا إله إلا الله لا مفرّج للكربات إلا هو، ولا مقيل للعثرات إلا هو، ولا مدبر للملكوت إلا هو، ولا سامع للأصوات إلا هو، ما نزل غيث إلا بمداد حكمته، وما انتصر دين إلا بمداد عزته، وما اقشعرت القلوب إلا مِن عظمته، وما سقط حجر من جبل إلا من خشيته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قام في خدمته، وقضى نحبه في الدعوة لعبادته.
وأقام اعوجاج الخلق بشريعته، وعاش للتوحيد ففاز بخلته، وصبر على دعوته فارتوى من نهر محبته، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه واستن بسنته وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين ثم أما بعد يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "الحياء والإيمان قرناء جميعا فإذا رفع أحدهما رفع الآخر " رواه الحاكم، وروى البخاري من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فافعل ما شئت " وفي رواية "فاصنع ما شئت" وكما يستحي المسلم من الخلق فلا يكشف لهم عورة ولا يقصّر لهم في حق ولا ولا ينكر لهم معرفا فإن عليه أن يستحي من الخالق سبحانه وتعالى فلا يقصّر في طاعته ولا في شكر نعمته لما يرى من قدرة الله عليه وعلمه به فالله أحق أن يستحيا منه.
ومن استحيا من الله حق الحياء حفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وذكر الموت والبلى، وترك زينة الحياة الدنيا وشكر نعمة الله عليه وأدرك عظمته واطلاعه عليه وإحاطته بعباده وقربها منهم وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، ثم رجع على نفسه فحاسبها على التقصير، فلا يراه الله حيث نهاه ولا يفقده حيث أمره، وصور تكريم الله تعالى للإنسان كثيرة وكثيرة جدا، ومن أراد أن يعرف صور التكريم لهذا الإنسان عليه أن يرجع للقرآن العظيم، ولسنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فمن صور تكريم الله تعالى للإنسان، هو خلق الله تعالى الإنسان بيديه وتكريمِ الله تعالى للإنسان، أن الله تعالى نفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وتكريم الله تعالى للإنسان، أن الله تعالى علمه، و تكريم الله تعالى للإنسان.
أن الله تعالى خلق له الكون من سماوات وأرض قبل خلقه، ثم جعلها مسخرة له، وتكريم الله تعالى للإنسان، أن جعله الله تعالى خليفة له في الأرض، وتكريم الله تعالى للإنسان، أنه حرم الاعتداء عليه وهو جنين في بطن أمه، وفرض عقوبة على عاقلة القاتل وكفارة عليه، فجعل غرة على عاقلة من قتله، وهي نصف عشر الدية، أي ما يعادل قيمة خمسة جمال، وصيام شهرين كفارة على جنايته، وتكريم الله تعالى للإنسان، أنه حرم على الإنسان أن يقتل نفسه، لأن نفسه ليست ملكا له بل هي ملك لله تعالى، فمن قتل نفسه حرم الله تعالى عليه الجنة، وجعله في نار جهنم خالدا مخلدا فيها، وتكريمِ الله تعالى للإنسان، أنه حرم على الإنسان أن يدعو على نفسه لضر مسه، وتكريم الله تعالى للإنسان، أنه أخر إقامة الحد على جان، رعاية لحق الغير.
ولقد أخر النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إقامة الحد على المرأة الغامدية، بعد أن ردها، وذلك رعاية للجنين الذي حملت به من سفاح، فالإسلام يرعى الإنسان ولو كان الحمل من حرام، لأنَه صنعة الله تعالى وخلقه، والإسلام الذي عرف قيمةَ الإنسان، وخاصة إذا لم تقترف يده جريمة، وهذا هو الإسلام الذي قبل التائب فجعله كمن لا ذنب له، حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على من أقام عليها الحد، وتكريم الله تعالى للإنسان، أن أول ما يقضى به بين العباد في الدماء، وأنتم تعلمون أن حقوق العباد مبنية على المشاحة، وحقوق الله تعالى مبنية على المسامحة، فيقول الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم " أول ما يقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء" رواه البخاري ومسلم.
ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم " أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة" رواه أحمد، ومما لا شك فيه من ضيع حقوق الله تعالى، فهو لحقوقِ العباد أضيع، ومن يحافظ على حقوقِ العباد، فهو على حقوق الله تعالى أحفظ، فماذا يقول العبد لمولاه يوم القيامة إذا كان مضيعا الصلاة وهي حق الله تعالى، وكانت يده ملطخة بدماء الأبرياء؟ فإذا جمع الله الأولين والآخرين، ووضع الميزان، ونطقت الألسن، وتكلمت الجوارح، ودنت الشمس من الرؤوس بمقدار ميل، وخاض الناس بعرقهم كل على حسب عمله، وجاء المقتول آخذا رأسه بيد، والقاتل بيد أخرى، وهو يقول لربنا عز وجل يا رب سله لما قتلني؟ فما أنت قائل لربك يوم القيامة أيها القاتل؟
وأحرص الناس على حياة دون إيمان، يسألون الله الدنيا دون الآخرة، بطرين عند النعم، قنطين عند النقم، يعبدون الله على حرف، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض ولا يصلحون، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، وعالمهم لا يعمل بعلمه، وجاهلهم يقول على الله بلا علم، ويعبد الله على ضلال ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، ومكروا بهذا الدين مكرا كبارا ، ولا يعرفون للحق إلا العداء، وهم للباطل أعوان وأصدقاء.
التعليقات الأخيرة