عمود "ساخر "بقلم :محمد بوخروفة
في زمن تلاعبت فيه الأمواج برواية "هوارية" وقرّرت أن ترمي بها على شواطئ الأدب الجزائري، اكتشفنا فجأة أن هناك شيئًا آخر بجانب البحر يثير الزوابع: إنه "المنشورات الفيسبوكية التي تزاحم أصحابها على عتبة فيسبوك كما يتزاحم الولدان على قاعات كمال الأجسام لنفخ أجسادهم وإثارة الإنبهار حولهم "! نعم، يا سادة، لقد انتقلنا من النقد الأدبي العميق إلى "اللايك" و"الهاها" و"الواو" في خضم المنافسة على أفضل منشور فيسبوكي يرد على الرواية.
في ظل هذا الزخم الثقافي الجديد، اجتمع الكتّاب وأصدقاء الكتّاب وأصدقاء أصدقاء الكتّاب في منصات التواصل الاجتماعي ليختاروا صاحب الرد الذهبي. كانت المنافسة شرسة، وكأننا في سباق للكتابة السريعة، وكل رد يحمل في طياته محاولة بائسة لإظهار القوة الأدبية والفكرية.
وجاءت الردود متنوعة بين الفلسفية العميقة، والنقد اللاذع، وحتى الردود الساخرة التي تسخر من الردود الساخرة الأخرى.
بعض كتاب الجزائر كانوا غارقين في سبات عميق، يترنحون بين صفحات كتبهم القديمة وقصائدهم المملة. لم يكن هناك ما يوقظهم من هذا السكون إلا تهور "هوارية"، تلك الرواية التي جاءت كالعاصفة وحطمت كل التوقعات. الرواية أو "الغواية" لم تكتفِ بإثارة الجدل، بل تضمنت كلمات خادشة للحياء وعبارات نابية، جعلت الجميع يقفز من مقعده ويتساءل: "ما الذي يحدث هنا؟"
وفي العالم الافتراضي، ظهر "فيسبوك" كساحة معركة جديدة، حيث يتصارع تياران بحدة غير مسبوقة. التيار الأول يمثل المحافظين ودعاة الالتزام الأخلاقي والقيمي في الكتابة. هؤلاء، وهم يصرخون بأعلى أصواتهم، ينادون بأن الأدب يجب أن يبقى نقيًا وخاليًا من "الشوائب اللغوية". أما التيار الثاني، فيمثل الحداثيين، الذين اعتبروا أن الرواية هي ثورة على المفاهيم التقليدية، وأن الكاتبة إنعام بيوض هي بطلة خارقة جاءت لتحرر الأدب من قيوده البالية.
بدأت الآلاف من المنشورات تتدفق على فيسبوك كأنها سيل جارف. المحافظون يرفعون شعارات مثل: "كيف يمكن أن نسمح بهذا الانحدار الأخلاقي؟" و"نحن ندافع عن قيمنا وتقاليدنا"، بينما يرد عليهم الحداثيون بشعارات مضادة مثل: "الثورة الأدبية بدأت"، و"دعوا الكاتبة تعبر بحرية". كل تعليق يتحول إلى مشهد من مشاهد المصارعة الحرة، حيث الكلمات والعبارات تتطاير في الهواء كأحذية المصارعين.
منشورات المحافظين تملأ الشاشات بعبارات مثل: "هذه الرواية تسيء إلى الأدب الجزائري"، و"نحن نرفض هذا الانحدار". في المقابل، يرد عليهم الحداثيون بمنشورات مليئة بالحماس: "الحرية في التعبير هي أساس الأدب"، و"كفانا من التقليدية".
ولأن هؤلاء الكتاب أو "الفسابكية" لا يعرفون الحدود في حب الجدل، بات الجميع يتحدث عن "هوارية"، حتى الذين لم يقرؤوا الرواية أصلاً أصبحوا خبراء أدبيين فجأة. تجد أحدهم يقول: "لم أقرأ الرواية، لكنني أعتقد أنها تمثل مرحلة جديدة في الأدب الجزائري"، وآخر يرد عليه: "لم أقرأها أيضًا، لكنني متأكد أنها مجرد هراء".
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل أصبح هناك سباق محموم للحصول على أكبر عدد من اللايكات والتعليقات. بعض الكتاب، في سعيهم الحثيث للتميز، بدأوا يبتكرون نظريات فلسفية عميقة حول "هوارية" وتحليل أبعادها النفسية والاجتماعية، رغم أن البعض يشك بأنهم بالكاد تجاوزوا الصفحة الأولى من الرواية، ورغم أن الأمر لايستحق كل هذا العناء، فضلوا أن يواصلوا معركتهم الفكرية على أعتاب الفيسبوك حاملين القراطيس الإفتراضية ومسلحين ب"تاغنانت" كقنبلة موقوتة يلقونها في آخر المطاف ليقول الجمع " لقد استشهدوا كفدائيين"، لكن الحقيقة تقول أنهم استمروا في الكذب على انفسهم بتقمص دور الأبطال والأدهى من هذا أنهم صدقوا كذبتهم في موضوع لايستحق كل هذا الجهد من قبلهم، وهنالك مواضيع أخرى تستحق النقاش أكثر .
وفي خضم هذا الزخم، جاء الإعلان الصادم من دار ميم للنشر بأنها ستتوقف عن نشاطها، كان هذا بعد الجدل الذي خلفته "هوارية". هذا الإعلان زاد من حدة النقاش الذي بات مؤكدا أنه لن يرسى على المدى القريب على الأقل، فالإحصائيات الفيسبوكية أشارت إلى تزايد كبير في عدد الأدباء والنقاد الإفتراضيين خلال هذه الفترة، إذ أصبح كل من هب ودب يهب ويدب ويحشر أنفه في رواية لاتغني ولا تسمن من جوع أو "مابتوكلش رغيف" عطفا على أمثال المصريين.
في حين أن الحديث عن الجودة يقودنا إلى نقطة أخرى هامة: الانتقادات التي وجهها العديد من النقاد الأدبيين الجزائريين للرواية، بعيدًا عن الجانب الهوياتي. كثيرون وصفوها بأنها رواية ركيكة وضعيفة، يمكن لطالب في الصف المتوسط أو الثانوي كتابتها بسهولة. الأمر الذي قد يقودنا في مرحلة أخرى للعودة نحو قراءة ومناقشة كتب الأطفال!! ".
في وسط هذه المعمعة، قرر اتحاد الكتاب الافتراضي أن ينظم مسابقة لأفضل رد فيسبوكي على "هوارية". الجوائز كانت مغرية: الإيموجي الذهبي لأفضل وأعمق رد، واللايك الفضي لأكثر رد مضحك. الفائز في المسابقة برده الفلسفي المعقد الذي يفوق فهم الجميع، حصل على "الإيموجي الذهبي" الذي يمكن طباعته وتعليقه على حائط فيسبوك بكل فخر. وعند تسلم الجائزة، قال الفائز بفخر: "أهدي هذا الإيموجي لكل من لم يفهم رواية هوارية... مثلي تمامًا!"
المضحك في الأمر أن هناك من بدأوا في التفكير مليا في كتابة روايات جديدة خصيصًا للحصول على ردود فيسبوكية أكثر. نعم، لقد أصبحت تعليقاتكم يا أصدقاء هي المقياس الحقيقي للإبداع الأدبي. لقد تحول الأدب من فن راقٍ إلى سباق لجمع اللايكات والتعليقات، وربما في المستقبل القريب سنرى جائزة "أفضل ميمز أدبي" أو "أفضل رد ساخر".
في النهاية، يبدو أن "هوارية" لم تقتصر على إحداث ضجة في المجال الثقافي والأدبي الجزائري فقط، بل قلبت حياة الكتاب والنقاد رأسًا على عقب، وجعلتهم يتسابقون لإثبات وجودهم في هذا العالم الافتراضي. فهل ستبقى "هوارية" في ذاكرة الأدب الجزائري كرمز للثورة الأدبية، أم أنها مجرد موجة عابرة سرعان ما ستخبو؟ الوقت فقط سيجيب على هذا السؤال، بينما يستمر الجميع في كتابة المزيد من المنشورات والتعليقات.
التعليقات الأخيرة