بقلم / محمـــد الدكـــروري
اليوم : الأربعاء الموافق 3 يوليو 2024
الحمد لله الذي خلق فسوى وقدر فهدى وأشهد أن لا إله إلا الله أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، لا تحصى نعمه عدا ولا نطيق لها شكرا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المصطفى والخليل المجتبى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن على النهج اقتفى وسلم تسليما كثيرا ثم أما بعد يحكى أنه حدثت مجاعة بقرية فطلب الوالي من أهل القرية طلبا غريبا كمحاولة منه لمواجهة خطر القحط والجوع وأخبرهم بأنه سيضع قدرا كبيرا في وسط القرية وأن على كل رجل وامرأة أن يضع في القدر كوبا من اللبن بشرط أن يضع كل واحد الكوب متخفيا دون أن يشاهده أحد، فهرع الناس لتلبية طلب الوالي فكل منهم تخفى بالليل وسكب الكوب الذي يخصه وفي الصباح فتح الوالي القدر فماذا وجد؟ وجد القدر وقد امتلأ بالماء فأين اللبن؟ ولماذا وضع كل واحد من الرعية الماء بدلا من اللبن؟
وهو أن كل واحد من الرعية قال في نفسه إن وضعي لكوب واحد من الماء لن يؤثر على كمية اللبن الكبيرة التي سيضعها أهل القرية وكل منهم اعتمد على غيره وكل منهم فكر بالطريقة نفسها التي فكر بها أخوه، وظن أنه هو الوحيد الذي سكب ماء بدلا من اللبن، والنتيجة التي حدثت أن الجوع عم هذه القرية ومات الكثيرون منهم ولم يجدوا ما يعينهم وقت الأزمات، فهل تصدق أنك تملأ الأكواب بالماء في أشد الأوقات التي نحتاج منك أن تملأها باللبن فإنه عندما لا تتقن عملك بحجة أنه لن يظهر وسط الأعمال الكثيرة التي سيقوم بها غيرك من الناس فأنت تملأ الأكواب بالماء، فطلوب منك إتقان عملك والإحسان إلي طاقتك وعدم التحجج بتقصير غيرك، واعلموا أن الذي لا يتقن عمله يعود هذا الأمر وبالا عليه ودمارا قبل غيره في الدنيا والآخرة.
فقيل في يوم من الأيام استدعى الملك وزراءه الثلاثة، وطلب من كل وزير أن يأخذ كيسا ويذهب إلى بستان القصر ويملأ هذا الكيس له من مختلف طيبات الثمار والزروع، وطلب منهم أن لا يستعينوا بأحد في هذه المهمة وأن لا يسندوها إلى أحد آخر، فاستغرب الوزراء من طلب الملك، وأخذ كل واحد منهم كيسه وانطلق إلى البستان، فالوزير الأول حرص على أن يُرضي الملك فجمع من كل الثمرات من أفضل وأجود المحصول وكان يتخيّر الطيّب والجيّد من الثمار حتى ملأ الكيس، أما الوزير الثاني فقد كان مقتنعا بأن الملك لا يريد الثمار ولا يحتاجها لنفسه وأنه لن يتفحص الثمار، فقام بجمع الثمار بكسل وإهمال فلم يتحر الطيّب من الفاسد حتى ملأ الكيس بالثمار كيفما اتفق، أما الوزير الثالث فلم يعتقد أن الملك سوف يهتم بمحتوى الكيس أصلا.
فملأ الكيس بالحشائش والأعشاب وأوراق الأشجار، وفي اليوم التالي، أمر الملك أن يُؤتى بالوزراء الثلاثة مع الأكياس التي جمعوها، فلما اجتمع الوزراء بالملك أمر الملك الجنود بأن يأخذوا الوزراء الثلاثة ويسجنوهم كل واحد منهم على حده مع الكيس الذي معه لمدة ثلاثة أشهر في سجن بعيد لا يصل إليهم فيه أحد كان، وأن يمنع عنهم الأكل والشراب، فالوزير الأول بقي يأكل من طيبات الثمار التي جمعها حتى انقضت الأشهر الثلاثة، والوزير الثاني عاش الشهور الثلاثة في ضيق وقلة حيلة معتمدا على ما صلح فقط من الثمار التي جمعها أما الوزير الثالث فمات جوعا قبل أن ينقضي الشهر الأول، فانظروا إلى هذا الذي لم يتقن عمله وتكاسل وتقاعس كيف كانت عاقبته ونهايته، وانظروا إلى جزاء من أتقن عمله ماذا جنى، وإن من أنواع الإتقان هو الإتقان العسكري.
حيث أن الكفاءة العسكرية ضرورة شرعية ومطلب قومي لا ينبغي إغفاله لذا اهتم القران الكريم بقضية الإتقان في الحياة العسكرية وخاصة عند خوض الحروب الحاسمة فذكر الله لنا قصة طالوت عليه السلام، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى، ما كان من إعطائه سبحانه القيادة لطالوت عليه السلام، وقد علل ذلك صراحة بأنه سبحانه زاده بسطة في العلم والجسم، وليس يخفى على أحد أن المقصود بالعلم هنا ليس هو العلم الشرعي فقط، وإنما أيضا العلم بأمور الحرب والقيادة والإدارة، وغير ذلك مما يلزم القائد العسكري من معارف وعلوم وتصديق ذلك أنه كان من الممكن أن تعطى هذه القيادة للنبي ذاته، والذي هو أعظم الناس بلا شك تفوقا في مجال العلم الشرعي، وهو يوحى إليه، لكن النبي لم يقد الجيش في المعركة.
التعليقات الأخيرة