دكتور / محمد علي محمد عبد الرحمن
مما لا شك فيه أن الناقة حظيت بمكانة متميزة عند العرب فاستحوذت على وجدان الإنسان العربي في الجاهلية عامة والشاعر الجاهلي خاصة ، لأنها تعتبر عماد الحياة لدى الإنسان العربي، فهي أداة الرحلة وأنيسته في الصحراء ، ومن هنا فقد احتلت الناقة مكانة مرموقة في حياة العربي الذي جعل لها الأسماء الكثيرة و حرم أكل بعضها على نفسه، كما شغلت منزلة في شعره و أصبحت جزءا مهما في ذلك العصر و علامة من علامات القصيدة الجاهلية لذا فلا عجب أن تكون الناقة محل اهتمام الكثير من الشعراء قديما والنقاد والدارسين أن تكون مجالا فسيحا لجهود متكاملة متآزرة من أجل وصفها و تصويرها في أعمق صورها، مما فتح بابا واسعا للنقاش حول اهتمام الشاعر بها ، لأنه أكثر أفراد المجتمع إحساسا بالصحراء ؛ لذا كانت الناقة ترمز لديه إلى الصراع مع الصحراء من أجل الحياة و من هنا نطرح التساؤل " كيف تجسدت صورة الناقة في تجربة الشاعر الجاهلي؟ " من خلال تناولي للعناصر الآتية : 1- مفهوم الصورة اصطلاحا، 2- مفهوم الصورة عند النقاد القدامى ، 3- صورة الناقة عند طرفة بن العبد البكري، 4- صورة الناقة عند عنترة ، 5- صورة الناقة عند امرئ القيس ،6- صورة الناقة عند لبيد ، 7- صورة الناقة عند الأعشى ، 8- صورة الناقة عند النابغة الذبياني ، 9- صورة الناقة عند عبيد بن الأبرص.
1- مفهوم الصورة اصطلاحا: جاء في لسان العرب مادة(ص، و، ر): الصورة في الشكل، و الجمع صور، و قد صوره فتصور، و تصورت الشيء توهمت صورته، فتصور لي، و التصاوير: التماثيل. وقال ابن الأثير: الصورة ترد في لسان العرب (لغتهم)على ظاهرها و على معنى حقيقة الشيء و ماهيته و هيئته و على معنى صفته، يقال: صورة الفعل كذا و كذا أي هيئته ,و صورة كذا وكذا أي صفته ([1]) . و أما التصور فهو: مرور الفكرة بالصورة الطبيعية التي سبق أن شاهدها و الفعل بها ثم اختزنها في مخيلته مروره بها بتصفحها([2])و أما التصوير فهو إبراز الصورة إلى الخارج بشكل فني، فالتصوير إذا عقلي، أما التصوير فهو شكلي.
إن التصور هو العلاقة بين الصورة و التصوير و أداته الفكر فقط، و أما التصوير فأداته الفكر واللسان و اللغة ([3]) و التصوير في القرآن الكريم ليس تصويرا شكليا بل هو تصوير شامل، فهو تصوير باللون و تصوير بالحركة و تصوير بالتخييل، كما أنه تصوير بالنغمة تقوم مقام اللون في التمثيل، و كثيرا ما يشترك الوصف و الحوار، و جرس الكلمات، و نغم العبارات و موسيقى السياق في إبراز صورة من الصور ([4])
إن الدارس للأدب العربي القديم لا يعثر على تعبير الصورة الشعرية في التراث الأدبي بالمفهوم المتداول، و إن كان شعرنا القديم لا يخلو من ضروب التصوير ؛ لأن الدرس النقدي العربي كان يحصر التصوير في مجالات البلاغة المختلفة كالمجاز و التشبيه و الاستعارة، كما إن غموض هذا المصطلح يعود إلى حيويته و قابلية توظيفه و مرونة معانيه، و لا سيما أن مناهج التفسير متعددة و متداخلة أحيانا، فالصورة الحسية هي وجود مادي محسوس تستقبله حواسنا عندما نرى أو نسمع أو نلمس أو نشم أو نتذوق، وتقوم حواسنا برسم ملامح عالمنا بأجمعه لذلك قيل:( فاقد حاسته ما فاقد عالم ما) ، و من لحظة التماس بين الحواس و البيئة تبدأ المعرفة والفن وتتشكل الحضارة.
2- مفهوم الصورة عند النقاد القدامى: لقد كانت الصورة الشعرية و ما تزال موضوعا مخصوصا بالمدح و الثناء، و لها من الحظوة بمكان و العجيب, أن يكون هذا الموضوع إجماع بين نقاد ينتمون إلى عصور و ثقافات متنوعة فهذا "أرسطو" يميزها عن باقي الأساليب بالتشريف فيقول: " و لكن أعظم الأساليب حقا هو أسلوب الاستعارة.....و هواية الموهبة " ([5]).
أما أرسطو يربط الصورة بإحدى طرق المحاكاة الثلاث، و يعمق الصلة بين الشعر و الرسام، فإذا كان الرسام فهو فنان يستعمل الريشة و الألوان، فإن الشاعر يستعمل الألفاظ و المفردات ويصوغها في قالب فني مؤثر، يترك أثره في المتلقي.و حتى تكون الصورة حية في النص الأدبي، لها ما لها من مفعول و تأثير، فلا بد لها من خيال يخرجها من النمطية و التقرير أو المباشرة ، فالخيال هو الذي يحلق بالقارئ في الآفاق الرحبة ويخلق له دنيا جديدة و عوامل لا مرئية تخرجه من العزلة و التقوقع.
ولقد أخذ العرب القدماء مفهوم الصورة من الفلسفة اليونانية، و بالذات "الفلسفة الأرسطية" و جرهم فعل أرسطو بين الصورة و الهيولي (مادة يصعب الإمساك به) إلى الفصل بين اللفظ و المعنى إلى الشعر الذي يعد من الشواهد في تفسير القرآن الكريم على حذ تعبير الدكتور "علي البطل ([6]).
أما إذا عدنا إلى فترة ما قبل الإسلام أو بالأحرى العصر الجاهلي فلعل تماهي الشاعر الجاهلي مع لغته و قربها الزماني من روحها البدائية الأولى، جعلت لغته تصويرية، لذلك تكثر النماذج التصويرية في هذه الفترة، دون أن يعتمد التصوير فيه بالضرورة على الوسائل البلاغية و لعل أول من أشار إلى التصوير هو الجاحظ في مقولته الشهيرة: "المعاني مطروحة في الطريف يعرفها العجمي و العربي، و البدوي و القروي، و إنما الشأن في إقامة الوزن و تخيير اللفظ، و سهولة المخرج، و كثرة الماء، و في صحة الطبع وجودة السبك ،فإنما الشعر صناعة وضرب من الصيغ ، وجنس من التصوير" ([7]) فالجاحظ هنا يشير إلى ثنائية اللفظ والمعنى التي شغلت نقادنا القدامى كثيرا، فالشعر ليس أفكارا ومعاني فقط بل هو صياغة جميلة ترتكز على التصوير وهو ما صرح به "أبي هلال العسكري" لما قال " الألفاظ أجساد والمعاني أرواح" في الصناعتين ، وفي هذا الجو الذي اختلطت فيه القيم النقدية وضاعت فيه المفاهيم البلاغية وضع" عبد القاهر الجرجاني" القواعد الأساسية في البناء النقدي العربي من خلال فهمه لطبيعة الصورة التي هي عنده مرادفة للنظم أو الصياغة، فنظرية النظم عنده لا تعني رصف الألفاظ بعضها بجانب بعض بقدر ما تعني توخي معاني النحو التي تخلف التفاعل والنماء داخل السياق .فالصورة إذا حسب نظرية النظم مرتبطة ارتباطا وثيقا بالصياغة، وليس غريبا ان يراوح النقد العربي مكانه ويهتم بالشكليات والتفريعات والتقنين والتقعيد لمختلف العلوم وبخاصة البلاغية منها. ولقد استحوذت صورة الناقة وأوصافها على وجدان الشاعر الجاهلي فوصفها أكثر من ذكرها في شعره لأنها مركبة رحلته، و مطية أهله و أنيسته في الصحراء، و هي غذاءه و طعامه و لباسه .كما ترمز في الشعر القديم إلي الصراع من أجل البقاء وهي وسيلته من أجل تحقيق وجوده لذا أخذت مكانا متقدما في ترتيب القصيدة عنده بعد الوقوف على الأطلال والبكاء على الديار ؛ لأن الرحلة بعد الوقوف أمر ضروري لأنها وسيلة للتسلية و نسيان الهموم ، ومازالت فكرة الناقة من أكثر الافكار تعقيدا في شعرنا الجاهلي وأكثرها حاجة إلى الدرس والتمحيص وسأحاول جاهدة الاقتراب من بعض النصوص الجاهلية التي وصف فيها أصحاب المعلقات الناقة محاولة الكشف عن معانيها العميقة التي يتجلى من خلالها امتزاج أفكار الشاعر بأحاسيسه وأول هؤلاء الشعراء :
3- صورة الناقة عند طرفة بن العبد البكري : تحمل الناقة دنيا واسعة من المعاني عند الشاعر الجاهلي بقدر صحرائه الواسعة الممتدة، امتداد الأفق غير المتناهي ، وهي رفيقة الدرب لا غنى للعربي عنها في حله وترحاله. وقد رسمها طرفة بريشة رسّام جعل منها لوحة فنية إبداعية أفاض عليها من روحه وحالته النفسية ودفقاته الشعورية، فهي رفيقة دربه، وأنيس غربته، وصاحبة وحدته. جعلها قبلة الشعراء الجاهلين وأتعب في وصفها مَنْ بعده.
| وَإِني لاُمْضِي الَهمَّ عِنْدَ احْتِضَارِهِ أَمونٍ كأَلْوَاحِ الإِرانِ نَسأتُها جَمَاِليَّةٍ وَجْنَاءَ تَرْدي كَأنَّها تُبارِي عِتَاقاً ناجِياتٍ وَأَتْبَعَتْ تَرَبَّعَتِ الْقُفّيْنِ فِي الشَّوْلِ تَرْتَعِي | بِعَوْجَاءَ مِرْقَالٍ تَرُوحُ وَتَغْتَدِي على لاحِبٍ كأَنّهُ ظَهْرُ بُرْجُدِ سَفَنجَةٌ تَبْري لأَزْعَرَ أَرْبَدِ وَظيفاً وَظيفاً فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّرِ حَدَائِقَ مَوْليَّ الاسِرَّةِ أَغْيَدِ([8]) |
لقد رسم طرفة صورة لناقته آية في المثالية، وهي أطول رحلة في الشعر العربي، وقد جمع فيها الشاعر حشداً من التشبيهات والصور البيانية، موظفاً البيئتين الحضرية والبدوية في تشكيل هذه اللوحة، يقول نصرت عبد الرحمن: ونجد في هذه الأبيات إحدى عشرة صورة حضرية تقف قبالتها خمس صور بدوية، لنعامة ترد لظليم، ولجناحي نسر أبيض مضرحي، ولقربة جافة الخلق، ولكناس غوالة في أصل شجرة ضال، ولمهاة مكحولة أو فرقد، ونستطيع أن نعدّ هذه الصور الخمس من الصور الطبيعية، أما الصور الإحدى عشرة الحضرية، فهي: ظهر البرجد، والبابان المنيفان الممدان، وقنطرة الرومي، والسقيف المسند، والبنائق الغر في القميص المقدد، وسكان بوصي بدجلة، والعلاة، وطرف المبرد، والمرأتان وقراطيس الشآمي، وسبت اليماني"([9]). وقد بدأ برسم صورته وتشكيل لوحته خروجاً من الحالة الشعورية التي يمر بها راكباً على ظهر ناقته السريعة، نشيطة العدو، موثوقة الخلق، مأمونة العثار، التي تشبه أضلاعها ألواح التابوت الضخم، وهي قوية الجسم، مكتزنة اللحم، كالنعامة في سرعة جريها، ترعى في مكان خصب بين نوق خفّت ضروعها، وقلّت ألبانها، تبتعد عن الفحول بجعل ذيلها بين دبرها وبين الفحل الأحمر الضارب إلى سواد، حفاظاً على رشاقتها من ألا تحمل منه، وتظل خفيفة سريعة، حركتها رشيقة. ولا يزال طرفة يصرّ على إخراج صورة الناقة بأبهى حلة، وأجمل تعبير، فيوسع اللوحة الفنية الإبداعية المتطورة بصور صغيرة تتراكم تترى، في تشبيه شعر ذنب الناقة بجناحي نسر أبيض، وتشبيه فخذيها المكتنزين باللحم ببابين طويلين أملسين لقصر عظيم، وإبطيها ببيتين من بيوت الوحوش في أصل شجرة ضال، وتشبيه أضلاعها بقسب معطوفة تحت صلب مقوى، ومرفقيها كأنهما سقاء حمل دلوين، كما شبّه ضخامتها وقوتها بقنطرة رجل رومي تتسم بالقوة والثبات.
| كَأنَّ جنَاحَيْ مَضْرَ حيِّ تَكَنَّفَا فَطَوْراً بهِ خَلْفَ الزّميلِ وَتَارَةً لها فَخِذَانِ أُكمِلَ النَّحْضُ فيهما وَطَيِّ مُحالٍ كالَحنيّ خُلُوفُهُ كأنّ كِناسَيْ ضَالَةٍ يُكْنِفانِها لها مِرْفَقَانِ أَفْتَلانِ كأنّها كقَنْطَرَةِ الرُّوِميّ أَقْسَمَ ربّها صُهابِيّةُ الْعُثْنُونِ مُو جَدَةُ الْقَرَا | حِفا فيهِ شُكّا في العَسِيبِ بِمسْرَدِ على حَشَفٍ كالشَّنّ ذاوٍ مُجَدَّدِ كأنّهما بابا مُنيفٍ مُمَرَّدِ وَأجْرِنَةٌ لُزَّتْ بدَأْيٍ مُنَضَّدِ وَأَطْرَ قِسِيِّ تَحْتَ صُلْبٍ مُؤَبَّدِ تَمُرُّ بِسَلْمَيْ داِلجٍ مُتَشَدِّدِ لَتُكْتَنَفَنْ حتى تُشادَ بِقَرْمَدِ بعيدةُ وَخْدِ الرّجْلِ مَوّارَةُ اليَدِ([10]) |
أخذت الناقة بلبّ طرفة بن العبد وفؤاده فناقتة ملاذه في سرائه وضرائه في حزنه وفرحه، لذلك نجده يحسن اختيار ألفاظه وصوره، ويكمل تشكيل صورته ولوحته الإبداعية الممتدة بوصف عنقها في طوله بذنب سفينة تمخر في نهر دجلة، جامعاً بين صور الصحراء وصور البحر والحضر، منتقلاً إلى خديها الذي شبهه بقرطاس الرجب الشامي، ومشافرها مثل جلود البقر المدبوغة في رقتها ولينها، كما شبه عينيها بالمرآتين الصافيتين النقيتين المصقولتين اللتين تلمعان مثل ماء القلت، ودلف بعد ذلك لاستكمال ما بقي من لوحته الإبداعية إلى الصورة العلوية من جسد الناقة فيصف أذنيها بعد أن صور العينين والخدين والشفتين والعنق، فيؤكد على دقة وظيفتهما في الحياة، وصدقهما فيما يسمعان، كأنهما صنعتا بآلة، فعيون الناقة هي التي يرى بها، وآذانها هي التي يسمع بها، وأرجلها هي التي يسير عليها، أما قلبها فكثير النبض كالصخرة في مكانه، وأنفها لين عتيق: كأَنَّ عُلوبَ النَّسْعِ في دَأَيَاتِها مَوَارِدُ من خَلْقاءَ في ظهرِ قَرْدَدِ
تَلاقَى وَأَحْياناً تَبينُ كأنّها بَنائِقُ غَرِّ في قَميصٍ مُقَدَّدِ
وَأَتْلَغُ نَهَّاضٌ صَعَّدَتْ بِهِ كسُكّانِ بُوِصيِّ بِدْجِلَةَ مُصْعِدِ
وَجُمْجُمَةٌ مِثْلُ الْعَلاةِ كأنّما وَعى الُمْلَتقى منها إِلى حرْفِ مِبْرَدِ
وَخَد كقِرْطاسِ الشّآمي ومِشْفَرٌ كسِبْتِ الْيَماني قَدُّهُ لم يُجَرَّد([11])
بهذا يكون الشاعر قد رسم لوحته وشكل الصور المثالية للناقة التي يطوف الأرض فيها، بوصفه فارساً مغواراً لا يرتضي بأقل من هذه الناقة ركوباً. فالشاعر بحق تجول بنا في لوحته ما بين الرسم والنحت والتصوير والتمثيل ، ومن ثم وصف ابن سلام الحجمي شعر طرفة بالجودة وعده على أ رس الطبقة الرابعة وهم رهط فحول الشعراء الذين وضعهم مع الأوائل، و هم " طرفة بن العبد، عبيد بن الابرص، علقمة بن عبدة، عدي بن زيد ". فأما طرفة فأشهر الناس واحدة "يعني معلقته "([12])، فقد حكم عليه بالجودة رغم قلة شعره لأن الكم في ذلك الوقت كان من أهم المقاييس التي يقاس بها الشعراء. و يقول فيه " ابن قتيبة " و له بعدها (أي المعلقة) شعر حسن و ليس عند الرواة من شعره إلا القليل([13])
4-صورة الناقة عند عنترة بن شداد: لقد احتلت الناقة مكانة عظيمة في شعر عنترة فكثيرا ما كان يوقف ناقته في دار عبلة ، ويشبهها بالبناء المحكم المتماسك في قوته وعنفوانه حيث يقول :
فَوَقَفْتُ فِيهَا نَاقَتِي وَكَأنَّـهَا فَدَنٌ لأَقْضِي حَاجَـةَ المُتَلَـوِّمِ
وَتَحُلُّ عَبْلَـةُ بِالجَـوَاءِ وَأَهْلُنَـا بِالْحَـزْنِ فَالصَّمَـانِ فَالمُتَثَلَّـمِ ([14])
كما تعد ناقته ملهمته التي توصله إلى محبوبته و ابنة عمه فقال:
هل تبلغنى دارها شدنية لُعِنتْ بمَحْرُوم الشَّرابِ مُصرَّم
خَطّارَةٌ غِبَّ السُرى زَيّافَةٌ تَطِسُ الإِكامَ بِوَخذِ خُفٍّ ميثَمِ ([15] )
و يلاحظ أنه في شعر كثير من الشعراء العرب أن أغرب كلماتهم تأتي في سياق وصف الناقة و الفرس، و لعل ذلك يرجع إلى علاقاتهم الكبيرة مع الناقة و الفرس التي جعلتهم يتفننون في تسمية أعضائها و تشبيهها بأشياء كثيرة، و عنترة في انتقاله عن وصف المحبوبة و الحديث عنها فقد انتقل بسلاسة حين أسهب ،» بفن حسن التخلص « إلى وصف الناقة حقق ما يسميه الأدباء في الحديث عن المحبوبة، ثم قال هل تبلغني ديار هذه الحبيبة ناقة شدنية وشدن باليمن عرفت بجودت نياقها ثم أسهب في وصف الناقة في أكثر من عشر أبيات، و أجمل الصور التي صورها في وصفه للناقة حيث
أ راد أن يصور لنا نشاطها فقال:
وَكَأَنَّمَا تَنْأَى بِجَانِبِ دَفِّهَا الـ وَحْشِيِّ مِنْ هَزِجِ العَشِيِّ مُـؤَوَّمِ
هِرٍّ جَنِيبٍ كُلَّمَا عَطَفَتْ لَـهُ غَضَبْى اتَّقَاهَا بِاليَدَيْـنِ وَبِالفَـمِ ([16])
5- صورة الناقة إمريء القيس : يوضح لنا امرؤ القيس ملامح و فلسفة فكره تجاه (الإبل ) أو الناقة ذات الترحال المنوطة بالظعينة المرتحلة و التي خلفت وراءها أطلالاً بالية ودياراً أو بقايا ديار ذات ذكريات مؤلمة؛ ورأينا هذه الأبيات على النحو التالي :
ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَى مَطِيَّتِي فَيَا عَجَبًا مِنْ كورها المُتَحَمَّلِ
فَظَلَّ العَذَارَى يَرْتَمِيْنَ بِلَحْمِهَا وشَحْمٍ كَهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّلِ
ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ فَقَالَتْ:لَكَ الوَيْلَاتُ!،إنَّكَ مُرْجِلِي
تَقُولُ وقَدْ مَالَ الغَبِيْطُ بِنَا مَعًا: عَقَرْتَ بَعِيْرِي يَا امْرأَ القَيْسِ فَانْزِلِ
فَقُلْتُ لَهَا:سِيْرِي وأَرْخِي زِمَامَه ولَا تُبْعدِيْنِي مِنْ جَنَاكِ المُعَلَّل([17])
لقد وظف امرؤ القيس لوحته حول الناقة بمسمى (مطية ) أو البعير المرتبط بمحبوبته (عنيزة) أو(فاطمة) ليصف حالات شعورية من آلام ذكرى الحبيب مع الصحب و الطلل ، و صورة الناقة في مغامراته النسائية وقصة (دارة جلجل) . نرى أن الناقة تأخذ حيزاً مساعداً لينقل صورة المرأة في كلتا الحالتين ، يصور الناقة بفكر الوسيلة للترحال و معقورة للطعام ، أو مطية لها زمامها و محملها . و هذا مرآة ناقلة عاكسة للبيئة الجاهلية في فكر امرئ القيس تجاه حيوان الصحراء و
سفينته (الناقة ) .
6-صورة الناقة عند لبيد ابن أبي ربيعة :
بِـطَـلــيـحِ أسْــفَـارٍ تَــرَكْـنَ بـقــ يَّـة ًمـنـهـا فـأحـنـقَ صُـلْـبُـها
وإذا تـغـالـى لـحـمُـهـا وتـحـسَّـرتْ وتَـقَـطَّـعَـتْ بـعـد الـكَلالِ خِدَامُـهَا
فـلـهـا هـبـابٌ فـي الـزِّمــامِ كـأنَّـها صهباءُ خَـــفَّ مع الجنوبِ جَـهَامُـها
أو مـلـمِـعٌ وسـقَـتْ لأحـقـبَ لاحَـهُ طَـرْدُ الـفُـحـول وَضَـرْبُهَا وَكِدَامُهَا
يـعـلـوُ بـهـا حـدبُ الإكـامِ مـسحَّجٌ قَـد رابَـهُ عـصيـانُـها ووحَـامُهـا
بـأحِـزَّة ِ الـثَّـلَـبُـوتِ يَـرْبَـأُ فَـوْقَـهَـا قَـفْـر الـمَـرَاقِـبِ خَـوْفُهَا آرامُـهَا
حـتـى إذا سَــلَـخَـا جُـمَــادَى سـتَّـة ً جَـزءاً فـطـالَ صِـيـامُـهُ وَصِـيَامُها
مـشـمُـولـة ٍ غلِـثَتْ بنابـتِ عـرْفَـجٍ كَـدُخَـانِ نـارٍ سَـاطِـعٍ أسْنَـامُهـا
إلى أن يقول:
فتقصدَتْ منها كَسابِ فضُرِّجتْ بدمٍ وغودرَ في المَـــــــكَرِّ سُخَـامُـها
فبتلْكَ إذْ رقَصَ اللوامعُ بالضُّحى واجتابَ أردية َ السَّـــــــرَابِ إكامُها
أقضـي اللُّـبانة َ لا أفـرِّطُ ريـبـة ً أو أن يـلـومَ بـحـاجـة ٍ لُـوَّامُـهَـا ([18])
لقد اتخذ لبيد من ناقته وسيلة لوصل حبائل حبه مع نوارا وقد رسم صورة كلية لناقته من خلال ثلاث صور فرعية
الصورة الأولى: شبه فيها سرعة الناقة في سيرها بسرعة السحابة الحمراء التي أسقطت ماءها فأصبحت بذلك أخف و أسرع ، والصورة الثانية: صور فيها ناقته بأتان وحشية قد حملت من فحل شديد الغيرة يلازمها أينما ذهبت و يطارد عنها الفحول التي تهاجمها متعرضا إلى العض و الضرب من المعركة التي دارت بين هذا الفحل و الحمر الوحشية، فإن ذلك لم يصرفه عن العناية بالأتان، و الحرص عليها والابتعاد بها عن الأماكن التي تتعرض فيها لملاحقة الحمر الأخرى، و قد ازد تعلقا بها تمنعها عليه و هي تجتاز مرحلة الحمل و الوحم، و قد كانت من قبل صلبة مما جعله يعتلي بها ربوة ليكون في مأمن من مزاحمة الفحول الأخرى و لمراقبة الميادين و تظل هذه الأتان و فحلها فوق هاته الربوة طيلة شهور الشتاء، يطعمان من نبات رطب حتى إذا حل فصل الصيف و تحركت رياحه الحارة انطلقا في سرعة الريح، يتجاذبان معا في عدوهما نحو الماء غبا ا ر كثيف كأنه الثوب أو كأنه دخان نار مشتعلة و قد هبت عليها ريح الشمال ف ا زدتها اشتعالا.
ثم ينتقل الشاعر إلى بيان مدى عناية الفحل بأتانه، فهو حريص على أن تظل أمامه حتى لا تتأخر عنه فيفقدها و ما ي ازلان كذلك حتى يبلغا النهر الذي يريدان فيقعان على عين ممتلئة بالماء فيشقها فرحين. و الصورة الثالثة: شبه فيها ناقته بالبقرة المسرعة التي أكل السبع ولدها و قد كشفت لنا في هذه الصورة عن قصة من قصص الص ا رع الدامية في مواجهة تحديات الطبيعة و محاولة التغلب عليها، فما كادت هذه البقرة تمضي طريقها مع القطيع حتى اكتشفت أنها تخلت عن ولدها فعادت لتبحث عنه في كل مكان، ترسل صيحاتها هنا و هناك، فتذهب صيحاتها سدى لأن ولدها قد لقي مصرعه. و ينتقل الشاعر بعد ذلك إلى تتبع اللحظات التي عاشتها البقرة بعد موت ولدها، و إذا كل لحظة تمثل حلقة في سلسلة العذاب و الشعور بالوحشة، فقد كانت ليلة رهيبة تلك التي قضتها البقرة عقب مصرع ولدها ثم يمضي الى التصوير الالام التي عانتها البقرة من جراء تساقط الأمطار الباردة على ظهرها مما اضطرها إلى البحث عن مكان تحتمي فيه، فلم تجد سبيلا إلا أن تدخل جرف شجرة، فتقلصت أعضاءها من شدة البرد ، و بعد أن صور الشاعر الناقة في تلك الليلة ال رهيبة عاد ليتتبع خطاها، فإذا ما انكشف الظلام لم يزدها طلوع النهار إلا أسى و لوعة، لا تكاد تمشي حتى تعثر فلا تقوى قوامها على حملها، ثم يستطرد في وصف جزع البقرة التي لم ينقطع حنينها لولدها و هي منهمكة في الجزع تروح و تجيء في هذا المكان لا تفارقه سبعة أيام بلياليها لا ي رقا لها جفن، حتى إذا يئست من اللقاء بولدها جف ضرعها المملوء باللبن، و ما كادت البقرة تنتهي من اليأس حتى سمعت صوتا خفي فأفزعها ، ثم أدركت أن هذه الوقفة لن تنقذها من الخطر الذي يداهمها فلم تمضي لحظات حتى انطلقت في عدو سريع، فلما يئس الرماة من أن ينالوا منها أطلق وراءها كلاب الصيد المسترخية الأذان الضامرة البطن، و لكن البقرة كانت أسرع إلى الكلاب فطعنتها بقرن كالرمح في حدته و طوله، و أيقنت أنها في موقف لا ينفع أنها فيه التردد أو الخوف، فهي إن لم تقتل الكلاب قتلها الصياد و الكلاب.
7-صورة الناقة عند الأعشى : وهو صور ناقته بالسريعة القوية الصلبة فقال :
وَفَلاةٍ كَأَنَّهَا ظَهْر ترْسٍ لَيْسَ إِلاَّ الرَّجِيعَ فِيهِا عَلاَق
قَدْ تَجَاوَزْت هَا وَتَحْتِي مَروحٌ عَنْتَريسٌ نَعَّابَةٌ مِعْنَاق
عِرْمِسٌ تَرْجم الإِكَامَ بِأَخْفَا فٍ صِلاَبٍ مِنْهَا الْحَصَى أَفْلاق
وَلَقَدْ أقْطَع الخَلِيلَ، إذَا لَمْ أر ج وصلاً، إنّ الإخاءَ الصِّداق
بِكمَيْتٍ عَرْفَاءَ مجْمَرَة الخـ فِّ، غذتها عوانةٌ وفتاق
إلى أن يقول:
أخْرَجَتْه قَهْبَاء مسْبِلَة الوَدْ قِ، رَ جوسٌ، قدّا مهَا فراق
لَمْ يَنَمْ لَيْلَةَ التّمَامِ لِكَيْ يصْ بِحَ، حَتى أضَاءَه الإشْراق
سَاهِمَ الوَجْه مِنْ جَدِيلَةَ أوْ لِحْـ يَانَ، أفْنَى ضِراءَه الإطلاق
وَتَعَادَى عَنْه النّهَارَ، ت وَارِيـ ـهِ عرا ض الرّمَالِ وَالدَّرْدَاق
وَتَلَتْه غضْفٌ طَوَارِد كَالنّحْـ لِ، مَغَاريث هَمُّهنّ اللحاق ([19])
ولقد مزج الأعشى في صورته بين أوصاف الناقة و مشاق السفر لينتقل إلى تصوير الطرائد و ما يصادف ناقته من مخاطر، مشبها إياها بحمار الوحش، و صورها في فلاة مقفرة لا تجد فيها الإبل ما تأكل سوى الاجترار ، و يقول أنه تجاوز هذه الفلاة على ظهر ناقة نشيطة قوية، مسرعة و صلبة ترجم الأرض المرتفعة بأخفافها، فتشق ما فيها من حصى شقا، ثم يشبهها في سرعتها بحمار الوحش الذي يقاسي في حر الصيف، وخص أمثاله و لا يمضي طويلا مع هذا الحمار، بل يتركه، و المطر يسقط من حوله و الفزع يأخذه من كل جانب، فيشبه به ناقته و يصوره طاويا في إحدى ليالي الشتاء القاسية، و قد لجأ إلى شجرة الأرط يحتمي بها، ثم خرج فزعا يتوارى في عرض الرمال و كثبانها، و ما لبثت كلاب الصيد أن أ رته فطاردته بغية اقتناصه، فأسرع يحاول فوتها.
8-صورة الناقة عند النابغة الذبياني : لقد صور النابغة الذبياني ناقته بالثور الوحشي المتفرد وبالبعير و هو يقول فيها : فَعَدِّ عَمَّا ترى، إذ لا ارتجاعَ له وانْمِ القتودَ على عيْرانَةٍ أ جدِ
مَقذوفَةٍ بِدَخيسِ النَّحضِ، بازِل ها له صريفٌ، صَريف القَعْوِ بالمَسَدِ
كأَنَّ رَحْلي، وقدْ زالَ النَّها ر بنا يومَ الجليلِ، على مستأنِسٍ وحِدِ
مِنْ وَحشِ وَجْرَةَ، مَوْشِيٍّ أَكارِعه طاوي المصيرِ، كسيفِ الصَّيقل الفَرَدِ
سَرتْ عليهِ، مِنَ الجَوزاءِ، ساريَة تَزجِي الشَّمَال عليهِ جامدَ البَرَدِ
فارتاعَ مِنْ صَوتِ كَلَّابٍ، فَ باتَ لَه طَوعَ الشَّوَامتِ منْ خوفٍ ومنْ صَرَدِ
فبَّهنَّ عليهِ، واستَمَرَّ بهِ صمْع الكعوبِ بَريئاتٌ منَ الحَرَدِ
وكانَ ضمْرا ن مِنه حَيث يوزِعه طَعْنَ المعارِكِ عندَ ال محْجَرِ النَّ جدِ
شَكَّ الفَريصةَ بالمِدْرَى، فأننفذها طَعْنَ المبَيطِرِ، إذْ يَشفي من العضَدِ
كأَنَّه، خارجا منْ جنب صَفْحَتِهِ سَفّو د شِرْبٍ نَ س وه عندَ مفْتَأَدِ
فَظلّ يَعْجم أَعلى الرَّوْقِ، منقبضاً في حالِكِ اللّنِ صَدْقٍ، غَيرِ ذي أَوَدِ
لَمَّا رأَى واشِقٌ إِقعَاصَ صاحِبِهِ ولا سَبيلَ إلى عَقْلٍ، ولا قَوَدِ
قالتْ له النَّفس : إنِّي لا أرَى طَمَعاً وانَّ مولاكَ لَمْ نَسلَمْ، ولَمْ يَصِدِ
فتلكَ تبْلغني النُّعمانَ، إنَّ له فَضلاً على النّاس في الأَدنى، وفي البَعَدِ ([20])
9- الصورة عند عبيد بن الأبرص : لقد عُني الحيوان باهتمام الجاهلي، لما كانت له من أهمية كبيرة ، ولقد برزت الناقة في العصر الجاهلي، كأهم حيوان تعلق به البدوي ؛ وذلك راجع لعدة أسباب لعل أهمها هو أن الناقة كانت سفينة صحرائه وصديقته في حله وترحاله وهي حاملة همومه وأحزانه مُبلّغته إلى محبوبته التي بانت عنه. ومن بين الشعراء الذين اهتموا بالناقة نجد " عبيد بن الأبرص" الذي امتلك عنتريسا فتية تتميز بالقوة والصلابة والصبر على الصعاب دون أين ولا تعب . قطعت به القفار الموحشة والسباسب الوعرة بكل سرعة وثبات.
قَـطَـعـتــهُ غُــدْوة مُـشِــيـحــاً وصــاحِـبـي بـــادِنٌ خَـبــوبُ
غَــيْـرانـةٌ مُـوجَـــدٌ فَـقـارُهــا كـــأنَّ حــارِكَــهـــا كَـثـِـيــبُ
أَخـلَـفَ مـا بــاذلاً سَـديـسُـهـا لا حِــقَّـــةٌ هِــيَ ولا نَــيُــوبُ
كَـأنَّـهـا مِـن حَــمــيـرِ غــابٍ جَــوْنٌ بِـصَـفْـحــَتِـــهِ نُــدوبُ
أَو شَـبَـبٌ يَـحـفِـرُ الرُخـامـى تَــلـــُفُّــهُ شَــمـــألٌ هُــبـــوبُ
فــذاكَ عَصْـرٌ ، وقـدْ أرانــي تَـحـمِـلُـنـي نَـهـدَةٌ سُـرحـوبُ
مُـضَبَّـرٌ خَـلـقُـهـا تَـضـبـيــراً يَـنـْشَـقُّ عَنْ وَجْـهِهـا السَّبيبُ
زَيـتِــيَّـةٌ نــاعِــمٌ عُــروقُــهــا وَلَــيِّــنٌ أَســـرُهــا رَطــيــبُ
كَـــأَنَّــهــا لِــقـــوةٌ طَــلـــوبُ تُـخـزَنُ فـي وَكـرِها الـقُـلوبُ
بـانَــت عَــلــى إِرَمٍ عَــذوبــاً كَــأَنَّــهــا شَــيــخَــةٌ رَقــوبُ
فَـأَصـبَـحـَت فـي غَـداةِ قِــرَّةٍ يَسْـقُطُ عَنْ رِيشِـها الضَّـريبُ
فَـأَبـصـَرَت ثَـعـلـَباً مِن ساعَةٍ وَدونَــهُ سَــبــسَــبٌ جَــديـبُ
فَنـَفَضَـت ريـشَهـا وَاِنتَفَضَـت وَهيَ مِن نَـهــضَــةٍ قَــريــبُ
10- الصورة عند الحارث بن حلزة :
وبعد الحديث عن الطلل انتقل الحارث بن حلزة إلى الحديث عن الناقة تمهيدا للحديث عن الرحلة إذ يقول :
غَـيرَ أَنِّي قَـد أَستَعِينُ عَلَى الهَـمِّ إِذَا خَـــفَّ بِــالــثَّــوِيِّ الـنَـجَــاءُ
بِــزَفُـوفٍ كَــأَنَّــهـا هِــقَـلــةٌ أُمُّ رِئَــالٍ دَوِيَّـــةٌ سَــقْــفَــاءُ
آنَـسَت نَـبأَةً وأَفْـزَعَها الـقَنَّـاصُ آعَــصــراً وَقَــد دَنَـا الإِمـْسَـــاءُ
فَـتَـرَى خَلـْفَها مِـنَ الرَّجـعِ وَالـ ــوَقْــعِ مَـنِـيـنــاً كَــأَنَّـهُ إِهْــبَـــاءُ
وَطِــرَاقـاً مِـن خَـلفِـهِـنَّ طِــرَاقٌ سَـاقِطَاتٌ أَلـوَتْ بِـهَا الصَحـرَاءُ
أَتَـلَـهَّـى بِـهَا الـهَـوَاجِـرَ إِذ كُــلُّ ابـــنَ هَـــمٍّ بَـلِــيَّـــةٌ عَــمــيَـــاءُ
. من خلال حديثه عن الناقة السريعة التي صرح بها بكلمة زفوف مشبها إياها بالنعامة و ولدها .فهذا أيضا شيء بديهي بالنسبة إلى الإنسان الحضاري ، لكن بالنسبة إلى الإنسان الجاهلي فهو شيء عظيم لأنه يعتبر أن الناقة هي وسيلة من وسائل النقل ، التي يعتمد عليها في حياته اليومية و الترحال ونقل البضائع و غيرها ، لان الناقة كانت تتحمل عناء السفر و تقاوم الظمأ ، في ذلك الوسط الصح ا روي المقفر . و كان العربي القديم و الحارث بن حلزة يعتز و يهتم اشد اهتمام بالناقة ، بما تمتاز بصفات الصبر على تحمل الصعاب و المشقة و الوفاء و الإخلاص ، حيث يذكرها و يصفها بالبلية العمياء ، وهي الناقة التي عندما يموت صاحبها تحزن عليه و تجث على قبره حتى تموت ولا تنصاع لأي أمر يعطى لها ، فلهذا حضت الناقة بشرف عظيم في أقوال الشع ا رء . وقد ذكر أيضا النعامة عندما أطلق عليها مصطلح الهقلة ، وذكر أيضا ولد النعامة حيث صرح به عندما ذكر كلمة الرئال . فبالنسبة للشاعر أن هذه الحيوانات هي مثاله الأعلى و الأمثل في سرعة العدو و الركض ، لأنه لا يملك أشياء أخرى وسط بيئته الجافة و القاحلة التي تجعله يمثل لها أجمل تمثيل للسرعة .
| خلاصة البحث |
وأثناء دراستي لهذه النصوص الشعرية التي رسمت صورة مثالية للناقة عند الشاعر الجاهلي رصدت عدة ظواهر منها :
1- التناص ([21]) بين الشعراء الجاهليين إذ أن النصوص الشعرية الخاصة بوصف الناقة وصورتها تتداخل مع بعضها البعض وهذا يدلل على أن الشعراء الجاهليين قد اطلعوا علي نصوص بعضهم البعض وهذا ما أشار إليه عنترة العبسي في مطلع معلقته فقال :
هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَـرَدَّمِ أَمْ هَلْ عَرَفْتَ الدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ
وهذه الملاحظة تحتاج إلي دراسة أوسع وأشمل .
2- لقد أخذت صورة الناقة في شعر المعلقات حيزا كبيرا وتناميا مطردا ؛ لأنها هي المعادل الموضوعي الذي استطاع الشاعر من خلاله رسم صورة حضارية للحياة التي يرغب في أن يحياها .
3- التزام شعراء المعلقات بسلطان التقليد وصرامته في كتابة قصيدته أو حوليته من حيث شكل القصيدة وموضوعاتها فبدأ بالوقوف على الديار والبكاء على الأطلال ثم انتقل الى وصف ناقته التي بها سيقضي مهامه او يصل بها الي ممدوحه .
4- الاستراط من وصف الناقة إلى وصف بعض الحيوانات في الصحراء كبقر الوحش والأتان و حمار الوحش و الظليم.
5- اشتراك هذه النصوص في ثلاثة صور أساسية و هي: تشبيه الناقة بالبقرة الوحشية.، وتشبيهها بحمار الوحش مع أتانة، و كذلك تشبيهها بالظليم، و كل هذه الأوصاف مشتقة من معاني القوة.
6- كانت الناقة في القصيدة القديمة نوعا من التفريج من أسر الخيبة التي انتابت الشاعر عندما وقف على الديار الخاوية، و هي وسيلة سفر للوصول إلى الممدوح، و ترمز بصفة عامة إلى الثبات و الصمود و المقاومة.
| الهوامش |
[1] - ابن منظور: لسان العرب-دار لسان العرب-بيروت- مادة ص،و،ر – د-ت- 29412
[2] - صلاح عبد الفتاح الخالدي: نظرية التصوير الغني عند السيد قطب-المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية-الج ا زئر- 9111 ص 4.
[3] - مجلة الرسالة ، المجلد الثاني، السنة الثانية، العدد 44 -تاريخ 24/9/1934 ص9574.
[4] - صلاح عبد الفتاح الخالدي، المرجع نفسه-ص 99.
[5] - أرسطو ، فن الشعر، ترجمة محمد شكري عياد، دار الكتاب العربي، القاهرة ،9145 ، ص 921.
[6] - الجاحظ ،عمرو بن بحر ، الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخارجي، القاهرة د.ت المجلد الثالث ، ص 132،133 .
[7] - فايز الداية : جماليات الأسلوب ص 99
[8] - طرفة بن العبد الديوان: دار بيروت للطباعة و النشر: سنة 01982 ص28 .
[9] - نصرت عبد الرحمن ، الصورة الفنية في العر الجاهلي ، عمان ، مكتبة الأقصى ، 1976 ، ص 96: 97 .
[10] - طرفة بن العبد، الديوان: ص29 .
[11] - الديوان ، نفسه ، ص 30 .
[12] .ابن سلام الحجمي: طبقات فحول الشعراء، تحقيق محمود شاكر، السفر الأول- دار القاهرة، ص138 0
[13] . ابن قتيبة: الشعر و الشعراء تحقيق أحمد محمود شاكر- دار المعارف بمصر، الجزء 0، السنة 0811 ، ص 01
[14] - عنترة بن شداد: الديوان، مطبعة الآدب، بيروت، الطبعة الرابعة ، سنة الطبع 1981 ، ص80 ، 81 .
[15] - عنترة بن شداد: الديوان، مطبعة الآدب، بيروت، الطبعة الرابعة ، سنة الطبع 1981 ، ص80 ، 81 .
[16] - نفسه ، ص 85 .
[17] - الزوزني ، شرح المعلقات السبع ، ص8: 10 .
[18] -.لبيد بن ربيعة الديوان، دار صادر للنشر و الطباعة، بيروت، سنة ، 1966 ،ص 168 :174 .
[19] - الأعشى ميمون: الديوان، دار الهدى للنشر و الطباعة، بيروت، ص 127: 128 .
[20] - النابغة الذبياني: الديوان- تحقيق و شرح كرم البستلني، دار بيروت للطباعة و النشر و النشر- سنة 1980 ، ص 31 :38
19 – لقد ذكر عمير نمر وسومية سعو في ورقة بحثية بعنوان صورة الناقة في تجربة الشاعر الجاهلي بأن التناص هنا تناص طبقي والدافع اليه هو صرامة التقليد وتلبية حاجته أكثر من تلبية حاجاتهم النفسية أنفسهم وهذا الرأي لم يجانبه الصواب إذ أن التناص هنا ليس بدافع صرامة التقليد ولكنه يلبي الاحتياجات النفسية لدى الشعراء الجاهليين والدليل على ذلك الصور الجمالية التي ابدعوها في معلقاتهم ص 46 .
التعليقات الأخيرة